أما الحج ونحوه ففيه أجزاء ينقص الحج بزوالها عن كماله الواجب ولا يبطل، كرمي الجمار، والمبيت بمنى، ونحو ذلك، وفيه أجزاء ينقص بزوالها من كماله المستحب، كرفع الصوت بالإهلال، والرمل والاضطباع في الطواف الأول.
وكذلك الصلاة فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال الاستحباب، وفيها أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة" [1] ."
"والإيمان في الكتاب بمعنيين: أصل، وفرع واجب، فالأصل الذي في القلب وراء العمل، فلهذا يفرق بينهما بقوله: (الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) . والذي يجمعهما كما في قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) و (لاَ يَسْتَاذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ) وحديث"الحياء"، و"وفد عبد القيس"."
وهو مركب من: أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصًا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة. فالناس فيه ظالم لنفسه ومقتصد وسابق [2] . كالحج وكالبدن والمسجد وغيرهما من الأعيان والأعمال والصفات. فمن سواء أجزائه ما إذا ذهب نقص عن الأكمل، ومنه ما نقص عن الكمال -وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات- ومنه ما نقص ركنه وهو ترك الاعتقاد والقول، الذي يزعم المرجئة والجهمية أنه مسمى فقط.
(1) الإيمان الأوسط، ص59، 60.
(2) إشارة إلى قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) (فاطر: 32) . ويقول ابن كثير في تفسير الآية:"فمنهم ظالم لنفسه وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات. ومنهم مقتصد وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات. ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله وهو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات"ثم ينقل الأحاديث وأقوال السلف في ذلك فلتراجع بالتفصيل في موضعها. وعليه فالظالم لنفسه على أحد التفسيرين -وهو اختيار شيخ الإسلام هنا- هو الذي لم يحقق أصل الإيمان ابتداء. وعلى التفسير الآخر -وهو اختيار الإمام ابن كثير- فالظالم لنفسه هو الذي حقق أصل الإيمان ولكنه مفرط في بعض الواجبات أو مرتكب لبعض المحرمات.