الصفحة 76 من 237

وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة، كما هو حال أكثر مشركي العالم، بل كلهم يحبون معبوداتهم ويعظمونها ويوالونها من دون الله. وكثير منهم -بل أكثرهم- يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده، ويغضبون لتنقص معبوديهم وآلهتهم -من المشايخ- أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين"اهـ [1] ."

ثم يقول عن مشركي هذه الأمة:"ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا [2] ، فقد ورثهم من هو مثلهم، أو شر منهم، أو دونهم. وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) . وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره ودعا إليه وصوّبه وحسّنه وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو نظيره، أو شر منه، أو دونه"اهـ [3] .

ثم يذكر أنواعًا من هذا الشرك الأكبر فيقول:

"ومن أنواع الشرك: سجود المريد للشيخ، فإنه شرك من الساجد والمسجود له. والعجب أنهم يقولون: ليس هذا سجودًا، وإنما هو وضع الرأس قدام الشيخ احترامًا وتواضعًا. فيقال لهؤلاء: ولو سميتموه ما سميتموه، فحقيقة السجود: وضع الرأس لمن يسجد له. وكذلك السجود للصنم، وللشمس، والنجم، وللحجر، كله وضع الرأس قدامه."

ومن أنواعه: ركوع المتعممين بعضهم لبعض عند الملاقاة. وهذا سجود في اللغة. وبه فسر قوله تعالى: (وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا) (البقرة: 58) أي منحنين، وإلا فلا يمكن الدخول بالجبهة على الأرض، ومنه قول العرب: سجدت الأشجار، إذا أمالتها الريح.

ومن أنواعه: حلق الرأس للشيخ، فإنه تعبد لغير الله، ولا يتعبد بحلق الرأس إلا في النسك لله خاصة.

ومن أنواعه: التوبة للشيخ: فإنها شرك عظيم، فإن التوبة لا تكون إلا لله، كالصلاة والصيام، والحج، والنسك، فهي حق خالص لله.

(1) مدارج السالكين، جـ1 ص339.

(2) يقصد مشركي الجاهلية الأولى.

(3) المدارج، جـ 1 ص343، 344.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت