لأن معاداة المشركين هي ركن من أركان التوحيد، فمن لم يأتِ بها لم يأتِ بركن التوحيد؛ لأنه لم يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله، وما أجمل تلك العبارة لأبي الوفاء ابن عقيل الحنبلي والتي ذكرناها لكم من قبل، والتي ذكرها ابن مفلح في كتابه (الآداب الشرعية) 1\ 268، وكذلك ذُكرت في (الدرر السنية) جزء الجهاد صـ 138، واستمع لتلك الجملة الجميلة.
يقول أبو الوفاء:"إذَا أَرَدْت أَنْ تَعْلَمَ مَحَلَّ الْإِسْلَامِ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانِ فَلَا تَنْظُرْ إلَى زِحَامِهِمْ فِي أَبْوَابِ الْجَوَامِعِ، وَلَا ضَجِيجِهِمْ فِي الْمَوْقِفِ بِلَبَّيْكَ، وَإِنَّمَا اُنْظُرْ إلَى مُوَاطَأَتِهِمْ أَعْدَاءَ الشَّرِيعَةِ" [1] اهـ."فاللجا اللجا إلى حصن الدين! والاعتصام بحبل الله المتين! والانحياز إلى أوليائه المؤمنين! والحذر الحذر من أعدائه المخالفين! فأفضل القرب إلى الله تعالى: مقت من حاد الله ورسوله، وجهاده باليد واللسان والجَنان بقدر الإمكان"اهـ [2] .
والذي يهمنا من هذه المقولة الجميلة أن المعيار والمقياس لمعرفة موقف الناس من دين الله ومكانة الإسلام في قلوبهم ليس في النظر للمساجد وإن ازدحم بالمصلين، وليس بالنظر للمسجد الحرام وإن ازدحم بالمعتمرين والحجاج والطواف والمصلين، وإنما المعيار والمقياس الحقيقي هو بالنظر من موقف هؤلاء الناس من عقيدة الموالاة والمعاداة، ومن موقف هؤلاء الناس من أعداء الدين، ومن موقف هؤلاء الناس الكفار والمرتدين، ومن النظر لمواطأتهم لأعداء الدين.
وهذا الكلام قرّره لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل ابن عقيل في الحديث الصحيح المشهور، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (يوشِكُ الأُممُ أن تَداعَى عليكم كما تَداعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها) ، قالوا: (ومن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟) قال: (بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغثاء السَّيلِ، ولَينْزِعَنَّ اللهُ مِن صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ اللهُ في قلوبِكم الوَهْنَ) . فقال قائلٌ: (يا رسُولَ الله، وما الوهنُ؟) قال: (حبُّ الدُنيا وكراهيةُ الموتِ) [3] ، وعند الإمام أحمد: (حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال) [4] .
فهذا الحديث ككلام الإمام أبي الوفاء ابن عقيل تمامًا، بل حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- أجمع منه، وفيه بيان للعلة والمرض الذي أُتي منه المسلمون، وهو الوهن وكراهية الموت والقتال.
(1) انظر كتاب (الآداب الشرعية والمنح المرعية) لمحمد بن مفلح المقدسي صـ 237
(2) انظر (الدرر السنية في الأجوبة النجدية) الطبعة السادسة 8\ 300.
(3) سنن أبي داوود (4297)
(4) مسند الإمام أحمد (8698)