1 -غرس روح الاستعلاء الإيماني في المؤمن:
الأولى غرس روح الاستعلاء الإيماني؛ فحرصت الشريعة أن تزرع في نفس المؤمن الاستعلاء، أنه هو الأعلى لإعلاء الله له على سائر الخلق من غير المسلمين، كما قال تعالى في كتابه: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [1] وليست للنصارى وليست لليهود وليست للمرتدين وليست لأذنابهم، وإنما لله ولرسوله وللمؤمنين، فهذه الآية تغرس وتزرع بصورة واضحة في نفس المؤمن العزة وتضع فيه الاستعلاء الإيماني، ولا تنظر لواقعنا المرير، ولا تنظر لتلك النفوس المريضة التي رضت بالذلة.
فَمَنْ يَهُنْ يسهُل ِالهوانُ عليهِ ... ما لجُرحٍ بميّتٍ إيلامُ
يقول تعالى مبينًا لهذا الاستعلاء الإيماني عند المؤمنين بقوله: {كنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [2] ، فلو أن هذه الآية كانت عند أمة أخرى لطاروا بها ولعدوا بها على سائر البشر، فبنص تلك الآية نحن خير أمة، نحن أمة مبتعثة، كما قال رِبعيّ -رضي الله عنه-:"اللَّهُ ابْتَعَثْنَا لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سِعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ" [3] .
فهذه الآية كافية لتجعلك تهيم فخرًا واعتزازًا بدينك لا بغير ذلك، كما قال عمر بن الخطاب: (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام) فتفتخر وتتعالى على الناس بهذا الدين ليس أكثر، فهذه الأمور كفيلة أن تصنع حاجزًا وسدًا منعًا بين المسلم وبين غيره من أصناف الكفرة والمشركين.
كذلك يقول الله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [4] ، فحتى في وقت الاستضعاف وغياب النصر والتمكين المؤمن هو الأعلى.
2 -النهي عن التشبه بالكفار:
وسيلة أخرى لغرس روح التميز والمفاصلة حفاظًا على عقيدة الموالاة والمعاداة، النهي عن التشبه بالكفرة والمشركين، كما قال تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ
(1) سورة المنافقون الآية 8
(2) سورة آل عمران الآية 110.
(3) انظر (البداية والنهاية) لابن كثير، طبعة دار الفكر 7\ 39.
(4) سورة آل عمران الآية 139