فالنظر ليس للجموع الغفيرة في المساجد، وليس بالنظر للجموع الغفيرة في منى وفي عرفات والحرم المكي والحرم المدني، وإنّما النظر لتلك العقيدة العملية التي تخرج من قلب المؤمن فتترجم على جوارحه فعلًا ونصرةً وتمكينًا لدين الله.
يقول ابن القيم -رحمه الله-:"القسم الرابع: من مخالطته الهلك كله ومخالطته بمنزلة أكل السم فإن اتفق لأكله ترياق وإلا فأحسن الله فيه العزاء، وما أكثر هذا الضرب في الناس -لا كثّرهم الله- وهم أهل البدع والضلالة الصادون عن سنة رسول الله الداعون إلى خلافها {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} فيجعلون البدعة سنة والسنة بدعة والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، إن جردت التوحيد بينهم قالوا: تنقّصت جناب الأولياء والصالحين، وإن جرّدت المتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا: أهدرت الأئمة المتبوعين، وإن وصفت الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير غلو ولا تقصير قالوا: أنت من المشبهين. وإن أمرت بما أمر الله به ورسوله من المعروف ونهيت عما نهى الله عنه ورسوله من المنكر قالوا: أنت من المفتنين، وإن اتبعت السنة وتركت ما خالفها قالوا: أنت من أهل البدع المضلين، وإن انقطعت إلى الله تعالى وخليت بينهم وبين جيفة الدنيا قالوا: أنت من المبلسين، وإن تركت ما أنت عليه واتبعت أهواءهم فأنت عند الله تعالى من الخاسرين وعندهم من المنافقين."
فالحزم كل الحزم التماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم وأن لا تشتغل بإعتابهم ولا باستعتابهم ولا تبالي بذمهم ولا بغضبهم فإنه عينُ كَمَالك، كما قيل:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص *** فهي الشهادة لي بأني فاضل" [1] اهـ."
فمن التمس رضا الناس بسخط الله؛ سَخِط الله عليه وأسخط عليه الناس؛ عقوبة قدرية، فالله -عز وجل- يأبى إلا أن يذلّ من عصاه على أيدي من أطاعوهم وعصوا الله بطاعتهم، فيذلهم الله عز وجل على أيديهم عقوبةَ شرعية وقدرية. ( ) .
( ... ) وهذه المسألة -أي أن الموالاة والمعاداة هي الترجمة العملية للتوحيد- فهمتها الجاهلية، وهذه مسألة مهمة، وفهمك لهذه المسألة يجعلك تُقيّم كثيرًا من تصرفات الناس اليوم، ويجعلك تفهم كثيرًا مما يدور اليوم، والتي يحتار العقل فيها، في أن بعض الناس يريد أن يجمع بين النقيضين بل بين عدة متناقضات.
(1) بدائع الفوائد لابن القيم 2\ 275.