الصفحة 26 من 83

نقول ونشرع مستعينين بالله تعالى في المقصود وفي المراد، وهي مقدمات لابد منها بين يدي بحثنا في المعاداة والموالاة.

المقدمة الأولى: أصل العداوة بين المؤمنين والكافرين وحقيقتها أنها على العقيدة:

معاداة الكافر للمسلمين هي معاداة قدرية لا مفر منها:

يقول المولى -سبحانه وتعالى- في كتابه؛ في محكم التنزيل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [1] ، فالخلق إنسهم وجنهم ما خُلقوا إلا لعبادة المولى -سبحانه وتعالى-، العبادة بمفهومها الصحيح الشامل.

وفي سبيل تحقيق هذه الغاية وهذا الهدف أقام الله آياته البيّنات الخلقية والشرعية، وأنزل كتبًا، وأرسل رسلًا، وأقام الحجة، كما قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [2] ، فالحجة أقيمت بإرسال الرسل وإنزال الكتب.

والأمر بالعبادة أمرٌ شرعيّ؛ أي شرعه الله على ألسنة رسله، والأمر الشرعي كما تعلمون يختلف عن الأمر الكوني، فالأمر الشرعي يختص بما يحبه الله ويرضاه، والأمر الكوني يشمل ما يحبه الله ويرضاه وما لا يحبه ويرضاه ولكنه يقع بإرادته، فمشيئته فوق كل مشيئة كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة خلافًا للقدرية والجبرية.

فلما أمر الله خلقه بهذا الأمر الشرعي كان منهم من امتثل، وكان منهم من أبى وعصى، وافترق الناس قسمين واختلفوا في هذه الغاية التي خُلقوا من أجلها، ولذلك يقول المولى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (*) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [3] .

وفي تفسير تلك الآية أقوال مشهورة إلا أن أرجحها ما رجحه ابن كثير، يقول -رحمه الله- في تفسيره:"أيْ وَلَا يَزَالُ الْخُلْفُ بَيْنَ النَّاسِ فِي أَدْيَانِهِمْ وَاعْتِقَادَاتِ مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ وَآرَائِهِمْ" [4] .

ويقول المولى -سبحانه وتعالى- مبينًا هذه الحقيقة؛ حقيقة الاختلاف في الدين والغاية من خلق البشر: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا

(1) سورة الذاريات الآية 56,

(2) سورة النساء الآية 165.

(3) سورة هود الآيات 118 - 119.

(4) تفسير ابن كثير ط دار الكتب العلمية 4\ 310.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت