الصفحة 12 من 83

كثير من العاملين في الساحة الإسلامية، فينشغلون بالمهم ويتركون الأهم، وليسوا يتركونه فحسب وإنما يحاربونه ويعادونه وينبزونه بالألقاب؛ لصرف الناس عن هذا الحق وتخذيلًا لهم، وليس بضارهم بشيء إلا بإذن الله تعالى.

حديثنا اليوم عن مفهوم من مفاهيم عقيدة السلف، إلا أن هذا المفهوم أشد غيابًا عن سائر المفاهيم الأخر، فهذا المفهوم يكاد أن يندثر بيننا، ويكاد أن يصبح أثرًا بعد عين، لولا ثُلّة من المؤمنين، نحسبهم كذلك.

حديثنا اليوم عن تلك الملة التي بالفعل هُجر نهجها، فصارت -كما قلنا- أثرًا بعد عين، حديثنا عن الأمس الناصع واليوم الفاضح، عن الماضي التليد والحاضر الذليل، كل هذا لأننا فرطنا في تلك العقيدة المُغيَّبة في واقعنا، وأصبحت هذه العقيد اليوم محنة يُمتحن به الصادق من الدَعِيّ، ويمتحن بها المتمسك بدينه حقًا وصدقًا من الذي ليس له من التمسك بالدين إلا الكلام والجمل الإنشائية التي يحسن تنميقها. فكما كانت محنة القوم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق يُمتحن بها اليوم الصادق من الدعي، المؤمن الحق مِمّن في دينه دخن، وكذلك هذه العقيدة اليوم، فرق بين الناس، وفرق والمؤمنين والمسلمين، هي عقيدة تُميّز الصفا وتخرج الخبث، حديثنا اليوم عن عقيدة الولاء والبراء، عن المولاة والمعاداة في دين الله، عن جوهر الإيمان، عن حقيقة التوحيد، عن ملة إبراهيم التي غودر نهجها.

ثالثًا: مقدمة في وجوب اتباع الدليل وتحرّيه:

إلا أننا وقبل أن نبدأ الخوض في غمار هذه العقيدة هناك تذكرة أحببت أن أذكّر بها نفسي وإياكم، ألا وهي وجوب طلب الحق وتحريه واتباع الدليل والالتزام به، وهذا على التحقيق أصل من أصول الإيمان، وهو أمر بدهي يُفترض أن يتوفر في كل مسلم؛ أن يبحث عن الحق جاهدًا، فيبذل في سبيله الوسع ويستفرغ الجهد نيلًا له وتمسكًا به، إلا أننا في زمن لا يخلو من الشبهات ولا يخلو من الشهوات، بل على التحقيق أبرز ما يميز زماننا هي الشبهات.

والمسلم الصادق مع نفسه ومع ربه يجب عليه أن يندفع اندفاعًا ذاتيًا للبحث عن الحق، أينما كان وممّن كان، فالحكمة ضالة المؤمن، ومن الغفلة العظيمة أن يصرّ الإنسان على ما في نفسه وأن يُعرض عن كل ما سواه، وأن يعتقد أن الحق كل الحق في هذا الذي لديه، وأن الناس ليس لديهم من الحق شيء يُذكر. فالعاقل يُنصف من نفسه ويُنصف غيره، والعبرة بالدليل والالتزام به، وليس العيب أن نختلف وإنما العيب كل العيب أن لا نرد الخلاف إلى الكتاب والسنة، وهو على التحقيق-كما قال ابن حزم- ليس عيبًا فحسب وإنما هو قادح من قوادح الإيمان؛ أن تُدعى إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت