الاحتكام إلى كتاب ربنا وسنة نبينا فتُعرض وتصر على ما عندك وتظن أنك تحسن صنعًا والأمر على خلاف ذلك.
وليس منا إلا من تربّى على فكر ما وطريقة ما، وتشرّب قلبه برأي ما، درج عليه ونشأ فيه، وأحكم قلبه وأغلقه عليه واعتقده حقًا وصواب، إلا أن الذي يبتغي النجاة الحقيقية دائمًا يُفَتّش بَين جنْبَيه ويُمحّص هذه الجُملة من الآراء والأفكار والاعتقادات، ويعرضها عرضًا صادقًا على كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بفهم سلف الأمة، ليس بفهمي ولا فهمك ولا بفهم فلان ولا علان ولكن بفهم سلف الأمة، ونحن قلنا أن تلك الأمور التي نتدارسها كلها محل إجماع منعقد وليس لنا إلا النقل.
نقول: العاقل يعلم أنه سوف يُسأل يوم القيامة، وسوف يُسأل عن نفسه، وسوف يُسأل فردًا؛ {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [1] ، وأنه لن ينفعه إلا صدق الجواب وصحته، فأنت عليك أن تعد للسؤال جوابًا وللجواب صوابًا.
ولذلك كان من شيم العقلاء أنهم إذا عُرض عليهم قول أو رأي أو فكر؛ استمعوا له وأنصتوا له، بل أصغوا الانصات وأرهبوا السمع؛ لعل الحق يخرج من هذه الأفواه، ولعلهم يسمعون ما ينفعهم، هذه هي شيم العقلاء، والعكس بالعكس؛ من شيم ضعاف العقول وضعاف النفوس أنهم يعرضون ويفرون ويأنفون من المواجهة ومن تمحيص الأفكار بميزان الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، هذه شيمة النفس والعقل الضعيفان.
وليكن لكم أسوةٌ حسنةٌ في ذلك الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي -رضي الله عنه-، ذلك الرجل اللبيب العاقل الشاعر صاحب الحكمة، المعروف بين قومه وبين قريش بالعقل والذكاء فضلًا عن أنه كان شاعرًا، يوم أن ذهب إلى مكة حاجًا أو معتمرًا، وكان حديث الناس يومئذٍ عن محمد -صلى الله عليه وسلم- وما جاء به، فلما رأوه وهم يعرفون عقله وحكمته؛ أرادوا أن يصرفوه عن الاستماع لهذا الدين ولهذا الحق ولهذا الهدي، فقالوا له محذّرين منفّرين مثبّطين مخذلّين -في تلك الصورة التي تتجدد اليوم-:"إياك وإياك، إياك والاستماع، إياك والانصات، إنه شاعر، إنه يفرق بين المرء وزوجه وبين الابن وأبيه وإنه كذا وكذا"، حتى جعلوه يضع الكرسف في أذنه خوفًا من سماع الحق ومن سماع كلامه الله.
إلا أن الرجل كان صاحب عقل، وهنا الشاهد؛ فلام نفسه لومًا شديدًا ووبخها وقرعها على هذا الفعل الذي لا يصدر -كما قلنا- إلا من ضعيف العقل والنفس، فقال:"ما هذا الذي أفعل ومن أي"
(1) سورة مريم الآية 95.