الصفحة 14 من 83

شيء أخاف؟ أنا صاحب عقل، وصاحب فطنة، وصاحب ذكاء، وهبني الله العقل والفهم الذي أستطيع أن أميز به بين الحق والباطل، ما علي لو أستمع للرجل، فإن كان في كلامه الحق والخير والصواب، فأنا أولى الناس به، وأنا أحق الناس به"."

وهذا شعار المسلم، المسلم دائمًا يردد الحق رأيي، الحق بضاعتي رُدت إلي، هذا هو الصادق مع نفسه ومع ربه، الذي يرجو الحق والنجاة يوم القيامة، هذا الذي سَلِم قلبه من مَرَضيْ الشبهة والشهوة.

هذه المعاني كلها دارت في نفس وعقل الطفيل -رضي الله عنه-، ورأى أنه قد أساء الفعل والتصرف، ولذلك ذهب بنفسه مسرعًا إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وجلس بين يديه طالبًا منه أن يعرض عليه هذا الذي يدعو إليه الناس.

وبالفعل ما هي إلا لحظات قليلة حتى بدأ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يقرأ على مسامعه آياتٍ من القرآن الكريم ويوضح له دعوته، ولما كان الحق أبلج؛ دخل الرجل مباشرةً في دين الله، وعَرَف أي خير وأي حق كان سيُحرم منه لو استمع لكلام قريش، وأي باطل كان سيلج فيه لو أنه أعرض عن الاستماع للحق والخير!.

وقصة أخرى ربما أغرب من هذه القصة؛ قصة سويد بن الصامت من أهل يثرب، يقول الأنصار أنه أوّل من أسلم من المدينة، هذا الرجل ذهب كذلك إلى مكة حاجًا أو معتمرًا، ودخلت أذنه تلك التحذيرات والتنبيهات وتلك القائمة الطويلة التي تردد في كل زمان ومكان؛"إياك وفلان وإياك وعلان، إياك من ذلك المكان"، كلام قديم حديث، والباطل ليس لديه جديد في مواجهة الحق، وإنما هي بضاعة تُعرض في شكل جديد والأصل واحد، ونقول إنها بضاعة نافقة ولله الحمد.

وهذا الرجل كان كذلك شاعرًا وكان ذا عقل حتى أنه كان يُلقّب بالكاهن، لقبه بهذا قومه لما رأوا فيه من تلك الصفات النادرة التي قلما تجتمع في رجل واحد، لما دخل مكة وسمع بمحمد -صلى الله عليه وسلم- وبدعوته وبما أحدثته تلك الدعوة في أوساط قريش، أراد أن يستمع إليه، وعندما قابل النبي -صلى الله عليه وسلم- وانظروا لهذا الموقف وانظروا لهذا الشاهد، قال له:"يا محمد إن معي مثل ما معك؟"

فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يعلم يقينًا أنه ليس معه شيء، وأنه مأمور مكلف بالإيمان به، ورغم قال له:"وما معك يا سويد؟"

قال:"معي حكمة لقمان". وهذا الرجل كان ممن يقرأ في الكتب القديمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت