الصفحة 15 من 83

فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-:"اعرضها علي"، رغم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلم أنها لا تساوي شيئًا بالمقارنة مع ذلك الحق الذي أُنزل عليه من سبع سماوات، فلما عرضها على النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له:"إن ما معك حسن، ولكن ما معي أفضل فاستمع يا سويد".

وانظر كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام سمع له، فلماذا تخاف من الاستماع؟ ولماذا تُعرض؟ فما رأيته من حق فتمسك به وعض عليه بالنواجذ وقل: بضاعتي رُدت إلي، فليس هناك أحد أولى بالحق منك، والحق بضاعة مشتركة بين المؤمنين، هذا عند من يحترم عقله ونفسه.

فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-:"إن ما معي أفضل فاستمع يا سويد". فاستمع سويد ودخل الإيمان قلبه فأسلم وآمن، وذهب إلى يثرب وقُتل يوم بُعاث.

أمّا الإعراض فالمُعرِض بدايةً لا يضر إلا نفسه، كما قال الشاعر:

إلى ديان يوم الدين نمضي ... وعند الله تجتمع الخصومُ

ستعلم في الحساب إذا التقينا ... غدًا عند الإله من الملومُ

والإعراض هو خصلة من خصال أهل الجاهلية؛ الذين يفرحون بما عندهم من العلم، كما وصفهم المولى -سبحانه وتعالى- في كتابه، ويظنون أن هذا هو الحق الصراح رغم أنه قد يكون الباطل الصراح، ولذلك يُعرضون عن كل ما سواه.

وقد ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتابه النفيس على صغر حجمه (مسائل الجاهلية) ، التي خالف فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل الجاهلية، ذكر تلك المسألة وجعلها من خصال الجاهلية، فقال -رحمه الله- في المسألة الرابعة والعشرين:"... الكفر بما مع غيرهم من الحق" [1] .

فجاء الشارح علامة العراق السيد محمود شكري الألوسي؛ الذي توسع في شرح المتن، فقال:"ولا شك أن هذه من الخصال الجاهلية، وعليه اليوم كثير من الناس، لا يعتقد الحق إلا معه ... والحزم أن ينظر إلى الدليل، فما قام عليه الدليل فهو الحق الحريُّ أن يُتَلَقَّى بالقبول، وما ليس"

(1) نص كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما في مجموع مؤلفات الشيخ التي نشرتها جامعة الإمام سعود: [ (الرابعة والعشرون) : ترك الدخول في الحق إذا سبقهم إليه الضعفاء تكبرًا وأنفة، فأنزل الله تعالى: {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} 4. الآيات.]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت