الصفحة 29 من 83

ومن ضمن هذه الثوابت التي لا تحتمل التنازل قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [1] ، {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [2] ، فانتبه أخي واعلم أن ما تقدمه من تنازلات هي من دينك، وما تزيدك من الله إلا بعدًا، وفي نفس الوقت لا تحقق منها ولو شيئًا بسيطًا، فلا تظن أنك بهذه الوسيلة ستصل إلى الحكم، أو أنك ستأخذ مساحة واسعة من الدعوة أو غير ذلك من الأمور الموهومة والمصالح المدّعاة، والحقيقة غير ذلك فالطاغوت ليس أبلهًا وإنما يعرف ماذا يفعل، يعطيك قدرًا معينًا من التنازلات حتى يأخذ منك المقابل.

فلتعلم يقينًا أن هذه التنازلات لن تقربك من هدفك ولو شبرًا واحدًا، فالمراد هو الدين ولهو هذه العقيد التي بين يديك فأولى لك -بالإضافة إلى أنه واجب عليه- وأن تتمسك بدينك وأن تعض عليه بالنواجذ، وكما قال ابن المبارك:

نرَقِّعُ دُنيانا بِتَمزيقِ دينِنا ... فَلا دينُنا يَبقى وَلا ما نُرَقِّعُ

وما أصدق هذا البيت على أحوالنا اليوم، فهؤلاء الطواغيت لن تأخذ منهم لا دنيا ولا دين، والمسلم كما قلنا عندما يتعامل مع الأحداث والوقائع يتعامل وله منهج يميزه عن بقية الناس، الاشتراكي يحافظ على مبادئه، والقومي يحافظ على مبادئه، الوطني يحافظ على مبادئه، كل أصحاب نحلة مهما بلغت من الباطل يحافظون على مبادئهم، إلا المنتسبين لهذا الدين سوى فئة ممن رحم الله.

المقدمة الثانية: الولاء والبراء طبيعة المنهج الإسلامي:

نقول الناظر في دين الله الإسلام، وفي هذا المنهج الحق، وفي هذه الرسالة الخاتمة التي ارتضاها الله لعباده وأنزلها من فوق سبع سموات؛ الناظر لها هكذا من أول وهلة يخرج بنتيجة عجيبة؛ يخرج بأن هذا المنهج وأن هذه الرسالة أحكمت بصورة تجعل عقيدة الولاء والبراء أمرًا بدهيًا وأمرًا طبيعيًا يمارسه المؤمن كما يمارس كافة صور التعبد.

الإسلام من أوله إلى آخره، من التوحيد إلى السواك وإلى غير ذلك أحكم بطريقة تجعل عقيدة الولاء والبراء أمرًا طبيعيًا بدهيًا لا يختلف عن أي عبادة يأتي بها المسلم، هذا في الأصل وليس في واقعنا، عند النفوس والقلوب السليمة التي لم تتنجس والأرجاس والأنجاس من الشبهات والشهوات.

(1) سورة البقرة الآية 217.

(2) . سورة النساء الآية 89

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت