وقبل أن نشرع في المراد وفي تحقيق المقصود مستمدين العون منه وحده -سبحانه وتعالى-، نجيب على سؤال، وإن كانت الإجابة التفصيلية ستأتي معنا في خلال ثنايا هذا البحث؛ لماذا الحديث عن المولاة والمعاداة؟
فنقول حتى نريح أقوامًا يقولون لنا:"لماذا تتحدثون دائمًا عن الحاكمية وعن الطواغيت وعن الموالاة والمعاداة والولاء والبراء وهذه المواضيع التي لا تجلب لكم إلا المشاكل؟ ولماذا لا تتحدثون عن الطهارة والصلاة والزكاة والصيام وكل هذه الأمور التي لا تكرس عناءً ولا تسبب تعًبا ولا نصبًا؟"
فنقول للمنكر وإن كان إنكاره مما يستدعي العجب الشديد، ولو صدر هذا الإنكار من رجل عاميّ لاستُقبح منه، فما بالك أن يصدر ممن ينتسب إلى العلم أو يدعي هذا في خاصة نفسه؟
فنقول: التوحيد أولًا، ومن لم يحقق الأصل فلا يسلم له الفرع والله، وإن ظن أنه سلم له، وهو لن يعرف النتيجة إلا في الآخرة، ويوم الندم ويوم ولات حين مناص.
نقول التوحيد أولًا؛ ولكن نقصد التوحيد بمفهومه الشامل بكلياته دون تبعيض ودون الفصام النكد الذي ابتلينا به من ضمن ما ابتلينا به في واقعنا المعاصر، ومن لم يحقق الأصل تحقيقًا يقينيًا فلن يسلم له الفرع مهما علا وارتفع.
فالتوحيد هو أول دعوة الأنبياء والمرسلين، وفي الحديث الصحيح المتفق عليه عند الشيخين عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قصة بعث النبي -صلى الله عليه- وسلم معاذ بن جبل معلمًا وهاديًا وقاضيًا وداعيًا إلى اليمن، أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ: (إنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ) [1] ، وفي لفظ عند الإمام البخاري في صحيحه: (ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) [2] ، وفي لفظ عند البخاري: (فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى) [3] .. الشهادة، التوحيد، العبادة.
والخلل ليس في المعرفة النظرية وإنما في فهمنا لحقيقة هذه الألفاظ، في فهمنها لحقيقة التوحيد، وفي فهمنها لحقيقة الإيمان، وفي فهمنها لحقيقة العبادة، وفي فهمنها لحقيقة الشهادة ولمقتضياتها ومدلولاتها.
(1) صحيح البخاري (1458) ، صحيح مسلم (31) .
(2) صحيح البخاري (1395)
(3) صحيح البخاري (7372)