الصفحة 71 من 83

ونفس الصورة تحصل اليوم، فيسمع منك البعض الكلام فيتهجم، ويظن أنك جئت بدين جديد لم ينزل به الله من السلطان، ويشمئز قلبه -عياذًا بالله- من هذا الدين الصراح؛ لأنك جئت بما يخالف مألوفاته، وجئت بما يخالف عداته، وجئت بما يخالف ما درج ونشأ وشبّ عليه.

كما حالنا اليوم مع هؤلاء القوم الذي لا ينصفوننا من أنفسهم فيقولون لنا:"من أين جئتم بهذا الكلام؟"، والمسائل كلها مسلّمات في دين الله، وكلّها من أقاويل الأئمة الثقات الذي يدّعون هم الانتساب إليهم، ولكن الإنسان إذا رانت على قلبه الشهوات والشبهات فلا يرى الحق وإن كان الحق أبلج كالشمس في رابعة النهار، كما قال الشاعر:

قد تُنكِر العينُ ضوءَ الشّمسَ من رَمَدٍ ... ويُنكر الفَمُ طعمَ الماءِ من سَقَم

استكمال الحديث عن المقدمة الرابعة: إدراك الجاهلية لخطر عقيدة الولاء البراء وسعيها للالتقاء مع أصحاب الدعوة.

( ) نضيف نقطة جديدة توضح هذه المسألة؛ لأن هذه المسألة تعتبر حجر الأساس في فهمنا للجاهلية المعاصرة، واختلاط المفاهيم وعدم اتضاح الرؤية في هذه المسألة سبّب لدى الكثيرين غبشًا في التصور، والذي انعكس بصورة تلقائية بغبش في السلوك والتصرفات وفي المواقف التي يجب أن تتخذ تجاه هذه الجاهلية.

فنقول: الجاهلية تُدرك تمامًا أن المعيار الحقيقي والترجمة العملية لهذا الدين إنّما يتحول لواقع عمليّ يحياه ويعيشه المسلم ويمارسه في كل تصرفاته وفي كل مواقفه التي يجب أن يَقِفَهَا، ولذا فالجاهلية لا ترفض الدين مطلقًا، بل هي -على التحقيق- ترحب بصور كثيرة وبأشكال شتّى من الدين ومن الإسلام؛ لأنه دين مُبَعَّض وإسلام مشوه محرّف منقوص، يتفق أول ما يتفق مع ما تراه الجاهلية نفسها ولذا فهي تسعى إلى تحقيقه في ميادين كثيرة، والواقع خير شاهد.

أمّا الذي ترفضه وتقف أمامه موقفًا عدائيًا عقائديًّا من منطلق عقدي لا يحتمل المناقشة فهو دين الحق، دين الله الخالص الذي يأبى أن يختلط بأي شائبة من شوائب الجاهلية، أمّا الدين المبتور المشوّه المنقوص -فهو على التحقيق- تسعى إلى تطبيقه بل إلى نشره بين الناس.

فالجاهلية تدرك تمامًا -بل ربما أكثر من بعض المتمسّحين بهذا الدين- أنّ حقيقة الإسلام الذي بُعث به جميع الأنبياء والمرسلين لا تتمثل إلا في الواقع العمليّ، ولا يظهر الإسلام بمحاسنه الحقيقية -قلبًا وقالبًا- إلا في الواقع العملي، ومن ثمّ فهي تحول باذلةً كل ما تملك بين هذا الواقع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت