الصفحة 72 من 83

العملي وبين الناس، والبديل هو العرض الناقص الذي يشبع ما في النفوس من ميل فطريّ للإسلام وللدين، وفي نفس الوقت تحقّق لها ما تريده من استمرار تلك الصروح الباطلة، ومن استمرار تلك الأفعال التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي ترتكز على التبعيض لمعنى التوحيد ولمعنى (لا إله إلا الله محمد رسول الله) .

وهي تعرف أن هذا التبعيض لا يمثل عليها أي خطورة ولا أي ضرر، هي تعرف كذلك أن هذا التبعيض وأن هذا العرض المبتور الناقص لا يستطيع مهما بذل في سبيله ومهما بذل من أجله أصحابه أن يقتلع جذور الجاهلية، ولا يستطيع أن يدك صروحها وأن يهدّم حصونها، ومن ثمّ فهي ترضى به وترحب وتفتح له المجال، بل تسانده وتساعده وتدعم وجوده وتساعد أصحابه ورؤوس منهجه.

النقطة الثانية: أن هذا المنهج المبعَّض يخدم الجاهلية من وجه آخر؛ وهو أنه يُضفي عليها الشرعية التي تحتاج إليه في مخاطبتها للعوام، فهذه الشرعية تقطع كل لسان وتقف حجر عثرة -بل هي العقبة الأولى الكؤود- بين الدعاة المخلصين وبين الحديث عن تلك الجاهلة وعن ما تحمله في طياتها من شرك وكفر وردة؛ لأن بين ثنياها من يصبغون عليه ثوب الشرعية وثوب الدين وثوب الإسلام، مما يزيد تلك الصورة غبشًا واختلاطًا وتدليسًا.

وبناءً على كل هذا نجد أن الجاهلية في سبيل تحقيق هذه الأمور تبذل كل ما لديها وتحاول بشتّى الوسائل والسبل أن تحرف الدعاة عن ملتهم الحقيقية، وأن تحرف الدعاة عن جادة الطريق، وعن المعنى الحقيقي للدعوة، وعن المعنى الحقيقي للصدع بـ (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ؛ أي تريد منهم أن يبتعدوا عن الترجمة العملية للتوحيد والإيمان، أي تريد منهم أن يبتعدوا عن المعيار الحقيقي للتمسك بهذا الدين، ثم بعد هذا لهم ما يشاءون، ولهم ما يريدون، ولن تحول بينهم وبين أي رغبة يسعون إلى نيلها وتحقيقيها.

وهي في ذلك تلجأ إلى وسائل غاية في الخبث، وغاية في المكر والخداع، وغاية في التمويه على عباد الله المؤمنين، ففتحت المجالات المتعددة إلى الدعوة والإرشاد والتدريس والتعليم والمحاضرات والندوات والمؤتمرات، وتفتح لهم كذلك المجالات الاجتماعية والمجالات الاقتصادية بل والمجالات السياسية، فليس هناك أي خطر في مشاركتهم لها في الحكم ومن تقلدهم لبعض المناصب والوزارات، بل هذا هو عين ما تريد؛ أن يكون في الحكومة أصحاب عمائم ولحى يصبغون عليها الشرعية، فإذا تكلم متكلم يكون الرد جاهزًا مكممًا لكل فاهٍ يريد أن يبن للناس الحق ويريد أن يبيّن للناس عمق هذا التدليس والتلبيس فلا يستطيع؛ لأن هناك من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت