يصبغون على تلك الجاهلية ثوب الشرعية وثوب الإسلام، فتستمر الجاهلية وتضرب في جذورها في أطراف العباد والبلاد بدون نكير وبدون تبيين لتلك المعايب وتلك المصائب.
الأمر الآخر أنها تحاول كذلك باذلةً أكبر ما لديها أن تلتقي مع أصحاب الدعوات ولو في جزئية واحدة، هذا يرضيها بدايةً، فتبذل محاولات مستميتة، وهذا الالتقاء مع أصحاب الدعوات ومع الإسلام ولو في جزئية واحدة أُمنية عظيمة لهم، فهم على استعداد أن يبذلوا في سبيل تحقيقها كل غال ونفيس؛ لأن العاقبة بهذا تكون لهم حتمًا ولا بد.
فالذي يلتقي مع تلك الجاهلية لا بد أن يتخلى عن دينه بذلك المقدار الذي التقى فيه مع تلك الجاهلية، وهم يعرفون ذلك أشد المعرفة. نظرة الخليط؛ فأنت لا تستطيع أن تلتقي معهم إلا أن تتخلى عن جزء من دينك، وهم على استعداد أيضًا أن يتنازلوا عن جزء من باطلهم في سبيل أن يلتقوا معك، وهذه المسألة لا تمثل أي غضاضة عندهم، بل ويتركون الكثير من باطلهم، وهذا الذي تركوه لا يمس جوهر صرح الجاهلية الذي قاموا على أساسه وهو أن العبودية ليست لله.
فهم الرابح الوحيد في هذه الصفقة الخاسرة؛ لأنهم استطاعوا أن يجعلوا الدعاة يتنازلون عن قدر من دينهم، وإن كان هذا القدر في البداية قدرًا صغيرًا، ولكنهم يرضون به لأن الذي يستمرئ التنازلات والذي يرضى أن يُداهن في عقيدته فلن يتوقف، والتنازلات كما عبّر أحدهم مثل (زحليقة) الأطفال؛ فما أن يرتقي الطفل أعلاها إلّا ويجد نفسه في أسفلها. هذه سنة كونيّة وعقوبة شرعية كتبها الله على كل من يتنازل عن عقيدته، وعلى كل من يجعل عقيدة (لا إله إلا الله) مكانًا للمساومات والتنازلات، وهم يعرفون هذه الحقيقة معرفة يقينية، ولذلك يسعون بكل قوة أن يلتقوا مع أصحاب الدعوات ولو في جزئية صغيرة، فبدايةً هم الرابحون، ويعرفون أن العاقبة ستكون لهم، لأن الانحراف عن جادة هذا الطريقة -وإن كان في البداية انحرافًا صغيرًا- إلا أنه في النهاية يكون أعمق وأكبر، وأبعد عن النصر وعن التمكين، سنة كتبها الله عن كل من يساوم عن هذا الدين.
فالانحراف يكون في البداية انحرافًا صغيرًا، أو هو كذلك في ظن أصحابه، وأنه يحقق لهم بعض المصالح، فمن أجل تلك المصالح يتنازلون عن أساسيات العقيدة، وهذا الانحراف الصغير مثل الزاوية؛ يكون في البداية صغيرًا ولكن مع مرور الزمن ومع السير في الطريق يزداد الانحراف، فتجد بين الواقع الذي يعيشه الداعية وبين الهدف الذي تحرك من أجله والنتائج التي يؤمن بها ويتحرك من أجلها بونًا شاسعًا، وهذه نظرية هندسية معروفة.