الصفحة 74 من 83

والدين الإسلامي لا يقبل الانحراف الصغير ويرفضه بشدة، فما بالك بالانحراف الكبير في أصل الأصول في عقيدة التوحيد، فهذا السبب الذي يجعل الجاهلية تحاول الالتقاء مع أصحاب الدعوات.

الثانية: أنهم إذا التقوا مع أصحاب الدعوات يصبح الفريقان في خندق واحد، يصبح بين الفريقين الذين هم في الأصل أصحاب عداوة وبغضاء فيما بينهما، يصبح لديهما قواسم مشتركة وصاروا في خندق واحد، فتصبح المصالح مشتركة بين الفريقين وإن اختلفوا في المبادئ والأسس التي تصبح مبادئ نظرية وليس هناك أي فرق بين هؤلاء وهؤلاء.

وفي هذه الصورة لا يصبح أدنى معنى ولو بسيط للموالاة والمعاداة، ولو تكلم أحدهم عن ما مع الجاهلية من الباطل فلا يقبل كلامه وهو يجلس معهم ويشاركهم في كل شيء، هذا إن لم نقل أنه أصبح جزءًا منهم، المسألة تحمل في طياتها شتى وكل أنواع التناقض.

فالجاهلية -كما قلنا- تدرك هذه المعاني إدراكًا أفضل من بعض المسلمين، ولذلك يسعون لسحب المسلمين إليهم، وإن أعطوهم ما يريدون وإن تنازلوا لهم عن كثير من الأمور، وإن تنازلوا لهم عن الحكومات في بعض البلدان، فهؤلاء لا يمثلون لهم أي غضاضة، لأنهم دين محرّف، دين لا يمثل العبودية الحقّة لله رب السموات والأرض.

فكل هذا لا يمثل لهم أي غضاضة لأنهم يعرفون أن تلك الصورة ليس هي الصورة التي ستقتلع الجاهلية، ولست الصورة التي ستدك صروح الباطل، وليست تلك الصورة التي ستهد معول الكفر والردة وتقيم على أنقاضها معاول الإيمان والتوحيد، ومن ثمّ فهم لا يخافون منها، ولا يرون غضاضة لو تعاملوا معها؛ لأنهم يعرفون أن الانحراف البسيط يمثل انحرافًا أبعد عن النصر والتمكين.

واستمع إلى تلك الكلمات البسيطة الرائعة التي توضح لنا تلك الحقيقة للإمام الألوسي في شرحه لمسائل الجاهلية التي خالف فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل الجاهلية التي ذكرها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، يقول الإمام الألوسي وهو يتكلم عن طبيعة العلاقة بين المؤمنين وبين العداوة والحرب بين المؤمنين والكافرين:

"فإنَّ أتباع النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إذا قاموا بعُهودِهِ ووَصاياهُ، نَصَرَهُمُ الله وأظْهَرَهُمْ على المُخالِفينَ لَه، فإذا ضَيَّعوا عُهودهُ ظَهَرَ أُولئِكَ عَليهم. فمَدارُ النَّصرِ والظهورِ مَعَ مُتابَعَةِ النَّبِي -"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت