الصفحة 75 من 83

صلى الله عليه وسلم- وُجودًا وعَدَمًا مِن غير سَبَبٍ يُزاحم ذلك ... فهذا الاستقراءُ والتَّتبّعُ يُبينُ أنَّ نَصْرَ الله وإظهارَه هو بسببِ اتِّباعِ النَّبِيّ." [1] اهـ. ( ... ) ."

ونحن رأينا كيف كان منهجه مع الجاهلية الأولى في زمن الاستضعاف، فاتّباع نهج النبي -صلى الله عليه وسلم- هو سبب الانتصار على المشركين، وكل حكم يدور مع عِلّته، فإذا وُجدت العلة وُجد الحكم وإذا تخلفت العلة تخلف الحكم، إذا وجدت المتابعة الحقيقية وجد النصر وإن تأخر وإن كان فيه ابتلاء، بل هذا من العلامات التي تعرفك أنك على الجادة الصحيحة، وإذا تخلف الاتباع فاعلم أنه الخسران الكبير في الدنيا والآخرة. وإن اغتررت ببعض المناصب وبالمحاضرات والندوات والدعوة، فهذه الأمور من السهل أن تقدمها لك الجاهلية، بل تقدمها لك مسارعةً مختارة، حتى تجذبك إليها وحتى تصرفك عن دعوة الأنبياء والمرسلين.

واستمع لهذه السورة الصغيرة والتي يحفظها الجميع، سورة البراءة من الشرك، ونحن لنا وقفة منفصلة مع هذه السورة إلا أننا اليوم نأخذ ما يناسب هذا المقام، وهو حرص الجاهلية بل ومسارعتها ومسابقتها على الالتقاء مع الجاهلية ولو في جزئية واحدة، يقول تعالى:

{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) } [2] .

وسبب النزول معروف عند الجميع، الجاهلية القديمة أرادت أن تلتقي مع الإسلام في منتصف الطريق، فيشتركون هم وهو فيها، ومن ثمّ يكونون القاعدة العريضة التي نسمع عنها الآن، واستمع لسيد -رحمه الله- وهو يتكلم عن تلك السورة في ظلاله:

"فلما جاءهم محمد- صلى الله عليه وسلم- يقول: إن دينه هو دين إبراهيم- عليه السلام- قالوا: نحن على دين إبراهيم فما حاجتنا إذن إلى ترك ما نحن عليه واتباع محمد؟! وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- خطة وسطًا بينهم وبينه وعرضوا عليه أن يسجد لآلهتهم مقابل أن يسجدوا هم لإلهه! وأن يسكت عن عيب آلهتهم وعبادتهم، وله فيهم وعليهم ما يشترط! ولعل اختلاط تصوراتهم، واعترافهم بالله مع عبادة آلهة أخرى معه .. لعل هذا كان يشعرهم أن المسافة بينهم وبين محمد قريبة، يمكن التفاهم عليها، بقسمة البلد بلدين، والالتقاء في منتصف الطريق، مع بعض الترضيات الشخصية! ولحسم هذه الشبهة، وقطع الطريق على المحاولة، والمفاصلة الحاسمة بين عبادة وعبادة، ومنهج ومنهج، وتصور وتصور، وطريق وطريق .. نزلت هذه السورة. بهذا الجزم. وبهذا التوكيد. وبهذا التكرار. لتنهي"

(1) كتاب (فصل الخطاب في شرح مسائل الجاهلية) للشيخ محمود شكري الألوسي، ط\ محب الدين الخطيب، 1\ 258

(2) سورة الكافرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت