وبغضه وبغض أهله ومعاداتهم ومقاطعتهم فهذا لا يتركهُ أهل الكفر على دينه مع القدرة عليه، كما قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [1] ، وكما أخبر الله بذلك عن أصحاب الكهف حيث قال: {إنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ولن تفلحوا إذًا أبدًا} [2] ، بل أخبر بذلك عن جميع الكفار حيث يقول: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [3] ، وكذلك قال ورقة بن نوفل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا ليتني أكون جذعًا إذ يخرجني قومك) ، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أومخرجي هم؟) ، فقال ورقة بن نوفل: (لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي) " [4] اهـ. ( ... ) ."
وكلام ورقة بن نوفل -رضي الله عنه- فيه حصر وقصر بل أشدّ ما يكون الحصر والقصر، ولو أردنا أن نقيس تلك الدعوات على هذا الميزان لوجدنا العجب، فهم لم يُعادَوا ولم يُؤذَوا في سبيل الله، ولم تحاربهم الجاهلية، ولم يحاربهم الطواغيت، إذًا هم ليسوا على المنهج الذي كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والحديث متفق عليه في صحيحي البخاري ومسلم، ذكره البخاري في كتاب (بدء الوحي) وفي كتاب (التفسير) وفي كتاب (التعبير) ، وذكره مسلم في كتاب (الإيمان) .
فبمفهوم المخالفة؛ الذي لا تعاديه الجاهلية والذي لا تحاربه الجاهلية والذي لا تتعرض له الجاهلية بسوء فليس على نهج النبي -عليه الصلاة والسلام- حقًا وصدقًا، والإجابة واضحة.
وفي حديث آخر حديث الفِرَق المشهور في صفة الفرقة الناجية؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما أنا عليه اليوم وأصحابي) [5] ، والضد بالضد، وبضدها تتميز الأشياء.
يقول ابن حجر في شرحه لحديث ورقة كما في (فتح الباري) :"فَذَكَرَ وَرَقَةُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ مَجِيئُهُ لَهُمْ بِالِانْتِقَالِ عَنْ مَأْلُوفِهِمْ، وَلِأَنَّهُ عَلِمَ مِنَ الْكُتُبِ أَنَّهُمْ لَا يُجِيبُونَهُ إِلَى ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ لِذَلِكَ مُنَابَذَتُهُمْ وَمُعَانَدَتُهُمْ فَتَنْشَأُ الْعَدَاوَةُ مِنْ ثَمَّ." [6] اهـ. ( ... ) .
(1) سورة البقرة الآية 217
(2) سورة الكهف 20
(3) سورة إبراهيم الآية 18
(4) لم أجده ونقلت نص الكلام كما نقله الشيخ المهاجر.
(5) (المستدرك على الصحيحين) للحاكم (444) .
(6) كتاب (فتح الباري شرح صحيح البخاري) للإمام ابن حجر العسقلاني 1\ 26