وسوف نستعرض استعراضًا سريعًا جدًا وإن كان الأمر يحتاج لتفصيل في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- لنرى هذه المعاني؛ معالم الصياغة الربانية والتي تجعل عقيدة الولاء والبراء أمرًا بدهيًا تلقائيًا.
الإسلام دين متميز؛ دين يقوم أول ما يقوم على المفاصلة، دين من أوله إلى آخره، في أصول وفي فروعه -وإنا كما لا نأخذ بهذه التقسمة كما قال شيخ الإسلام ولكن نقولها من باب الإفهام- في أصوله وفي فروعه هو دين يأبى التطبيع ويأبى الاختراق بأي منهج من المناهج الأخرى، وإن كانت هذه المناهج سماويّة في أصلها -كما ذكرنا هذه المسألة في باب الحاكميّة- وحتى ولو كانت كتبًا مُحرّفة أو منسوخة.
وكذلك يأبى الإسلام أن يلتقي مع أي منهج من المناهج الأخرى في قليل أو في كثير، حتى يحتفظ باستقلاله وبتميزه وبتلك المفاصلة التي تميزه عن غيره، وليست وظيفة الإسلام أن يصطلح مع الجاهلية، وكل ما هو سوى الإسلام جاهليّ، كما ذكر ذلك الشيخ محمد بن إبراهيم؛ أن القسمة ثنائية؛ إما حق أو باطل، إما شرع وإما هوى، إما إسلام وإما جاهلية، فكل ما هو سوى الإسلام جاهلي، مهما تَسمّى ومهما تزّين ومهما عُرض بصورة مزركشة مبرقشة خداعًا للناس وتمويهًا عليهم، ومهما ظهر للناس والعقول أن فيه خير وفيه صلاح وهكذا.
الإسلام يوم أن جاء لم تكمن وظيفته أن يصطلح مع الجاهلية، لم تكن هذه وظيفته يوم جاء، ولن تكون هذه وظيفته اليوم، ولن تكون كذلك في المستقبل، فالإسلام ديني تغييريّ وليس دين تسييري، الإسلام ما جاء ليساير الواقع وإنما جاء ليغير الواقع، الإسلام ما جاء ليصطلح مع الأهواء والشبهات والشهوات التي تعجب الناس وتوافقهم، وإنما جاء ليزيل كل هذا الركام البشري وليضع منهجًا جديدًا ومبادئَ جديدةً من عند الله العزيز الحكيم.
هذه وظيفة الإسلام؛ منهج تغييري وليس منهجًا اصطلاحيًا يصطلح مع الأهواء والآراء ليصل معها إلى حل مشترك كما نسمع من كثير من الناس يقولون:"نريد أن نصل معهم لصيغة مشتركة"، فأي اشتراك تريد؟
هذا الاشتراك يعني أن تتنازل عن دينك وتأخذ من باطلهم، كما كتب أحدهم (اشتراكية الإسلام) وكما كتب أحدهم (ديمقراطية الإسلام) ، وكما كتب أحدهم (قومية الإسلام) ! وعلم الله تعالى أن دين الإسلام بريءٌ من هذا الدَّجل والاختلاط الذي ما أنزل الله به من سلطان.
واستمع لسيد -رحمه الله- ذلك الداعية الموفق، يقول في (معالم في الطريق) :"إن الإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية. لا من ناحية التصور، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا"