مُؤْمِنِينَ [1] . فبالفعل لم يؤمن إلا فئة قليلة اصطفاهم الله وخصّهم بهذه النعمة العظيمة، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [2] .
فانقسم الخلق إلى مؤمنين وكافرين، وابتدأت هذه العداوة التي كتبها الله على خلقه ابتلاءً لكل طائفة؛ ليبتلي المؤمنين بالكافرين وليبتلي الكافرين بالمؤمنين. قال تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [3] ، فالخصومة على التحقيق هي في ذات الله -سبحانه وتعالى-. قال تعالى: {إنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [4] ، فالأجدر بك أن تعادي من يعاديك، والأجدر بك أن تتخذه عدوًا كما اتخذك هو عدوًا.
وكما قلنا بهذه العداوة يبتلي المولى -سبحانه وتعالى- الفريقين، كما ذكر ذلك في كتابه في قوله تعالى: {ذلك وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [5] ، وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [6] ، فهو ابتلاء مقصود مرادُ من الله -سبحانه وتعالى- كما في كل أفعاله.
وفي حديث عياض بن حمار -رضي الله عنه- والذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه أن الله -سبحانه وتعالى- قال لنبيه: (إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ) [7] ؛ فينقسم الناس في محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى فريقين؛ فريق مؤمن مُصدّق وفريق كافر مُكذّب، على اختلاف صور الكفر.
وهذا الابتلاء -كما أسلفنا- حاصلٌ للفريقين؛ الكفار يبتلون المؤمنين ويعادونهم ويحاربونهم وفي المقابل المؤمنون مُطَالبُون شرعًا وعقلًا بدفع هذا العدوان، وبإخضاع الكافرين إلى منهج الله، شاءوا أو أبوا، على التفصيل المعروف في هذا الباب، وعلى التفريق بين الكافر الأصلي وبين المرتد.
وهذا الابتلاء من الكافرين من للمؤمنين -كما أخبر الله تعالى- هو من علامات الإيمان ومن صدق التمسك بهذا الدين، وهو كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الابتلاء هو طريق الأنبياء والمرسلين.
(1) سورة يونس الآية 99.
(2) سورة التغابن الآية 2.
(3) سورة الحج الآية 19.
(4) سورة النساء الآية 101
(5) سورة محمد الآية 4.
(6) سورة محمد الآية 31 ..
(7) صحيح مسلم (2865)