الصفحة 61 من 83

نقول هذه المسألة؛ أن الموالاة والموالاة والمنابذة لأعداء الله هي الترجمة العملية للإيمان وأنها هي المعيار الحقيقي للتمسك بهذا الدين، فقهتها الجاهلية فقهًا ربما يفوق كثيرًا من المنتسبين للإسلام، ليس من العوام وإنما أعني الخواص.

فالجاهلية تدرك تمامًا وتعرف أن الخطر الحقيقي المتمثل على كيانها القائم على الباطل لا يتبلور في تلك الكلمات المنمقة، ولا في تلك المحاضرات الرنانة، ولا في تلك الجموع الغفيرة التي تجتمع ثم تنصرف وكأنّ شيئًا لم يكن، تعلم أن كل هذا لا يمثل أي ضرر ولا أي خطر يهدد كيانها ومصالحها، ولذلك هي تساعد هذه الأمور وتنميها وتزكيها بل وتعمل على انتشارها. وإنما الذي يهدد كيانها هو تلك الترجمة العملية للإيمان والتوحيد؛ أن تتحول تلك العقيدة الكامنة في صدر ونفس المؤمن إلى واقع عملي يحياه بين الناس، فهذا هو الأمر الذي يُهدّد الجاهلية، وهذا هو الأمر الذي لا تقبل الجاهلية المساومة عليه.

فالإسلام المُبَعَّض لا يخيفها، وهي بالمقابل لا تردّه بل ترضاه، بل تنفق في سبيله، بل تساعد على انتشاره، بل تفتح المجال أمام الدعاة وأما الخطباء وأمام فلان وأمام علان لينشروا دعوتهم، ولكنها في الحقيقة دعوة مبتورة، دعوة بينها وبين دعوة الأنبياء بون شاسع، دعوة يرضاها كسرى وقيصر.

فإذا بدأت تلك الدعوة تدخل الحيز الذي يمثل خطرًا على الجاهلية هنا لابد من إيقاف هذه الدعوة؛ لأنها تريد أن تعبِّد الناس حقًا وصدقًا لله بالمفهوم الحقيقي الشامل للعبودية، فهنا المسألة لا تحتمل.

نقول للأسف فإن الجاهلية تفهم هذه الحقيقة في حين أن كثيرًا من المسلمين بل من الملتزمين بل ممن حملوا السلاح لا يفهمون هذه الحقيقة حتى الآن، رغم أنها واضحة أشد الوضوح في كتاب الله وفي سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وفي كلام الأئمة الثقات الذين ندّعي نحن الانتساب إليهم.

نقول: لو استعرضنا الجاهلية القديمة أو الحديثة نرى أنها ترضى بجزء كبير من الدين؛ لأنها ترى أن هذا الجزء لا يمثل أي تهديد لمصالحها ولحصونها ولقلاعها القائمة بالباطل، بل هذا الجزء المنتشر يخدم مصالحها وقلاعها وحصونها أيّما خدمة؛ لأنه يصبغ عليها الشرعية، تلك الشرعية التي تلبّس وتدلّس وتدجّل بها على الناس أنها دول شرعية وأنها كيانات إسلامية تستحق السمع والطاعة، وبهذا التدليس يضيع الحق بين الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت