الصفحة 62 من 83

ولذلك كانت دعوة أبينا إبراهيم كما كانت دعوة محمد -عليهما الصلاة والسلام- كانت دعوتهما الصدع بالحق، ملة إبراهيم؛ الموالاة والمعاداة من أول يوم وفي زمن الاستضعاف، -كما سيأتي معنا كلام أئمتنا-. السبب لمنع هذا اللبس والتدليس الذي في ثناياه يضيع الحق وتختفي معالمه كما نرى اليوم بصورة واضحة، فينقلب الكفر إلى إيمان والإيمان إلى كفر، والسنة إلى بدعة والبدعة إلى سنة، ويصبح الدين دينًا مهجورًا لا يعرفه أحد.

على سبيل المثال، لو نظرت لأوروبا أو لأمريكا -رأس الكفر المعاصر- تجد أن المراكز الإسلامية تنتشر في كل ولاية، وهذا يعرفه من عاش هناك، فالمراكز الإسلامية كثيرة جدًا، سواء في أوربا أو في أمريكا، والدعاة كثيرون جدًا، بل يصلون إلى الآلاف، كل هذا بدون نكير وبدون تنغيص من الحكومات على هؤلاء الدعاة وعلى تلك المراكز الإسلاميّة التي تنتشر في أوربا وأمريكا في عرضها وطوله.

إلا أنك لو نظرت نظرًا متفحصًا لماهيّة ومضمون تلك الدعوات التي تُردّد في الغرب، تجد أنها ليس لها من الإسلام إلّا الاسم، وليس لها من القرآن إلّا الرسم، وليس لها من الشريعة إلا قشورًا خارجية فقط هو الذي تسمح به الجاهلية، أمّا أن تتكلم عن باطلهم وعن كفرهم وتصرّح بعيب آلهتهم، فهذا الذي لا تقبله الجاهلية بحال من الأحوال.

فلسان حال الجاهلية يقول: ادرس وتعلم وافعل كل ما تريد أن تفعله إلا المنطقة الممنوعة، إلا أن تمارس عقيدة الولاء والبراء، كل شيء مباح لك إلا هذه المسائل، المساجد منتشرة في بلادنا وفي بلاد الكفر الأصلي، والدعاة كثيرون بالآلاف، إلا أن حقيقة الدين غائبة عن أعين الناس وعن عقولهم، فيستوي عندهم التحاكم لشريعة الرحمن مع التحاكم لشريعة الشيطان، بل منهم من لا يفرق بين شريعة الرحمن وشريعة الشيطان، ومن يرى أن الأفضل له أن يتحاكم لشريعة الشيطان!.

والتتار الذين داهموا بلاد المسلمين، والذين لا يختلف في كفرهم اثنان، -كما ذكرنا عند حديثنا في موضوع الحاكمية-، ونقلنا فتوى ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [1] ، رغم ذلك رأينا أن التتار ما منعوا المسلمين -ولو يومًا واحدًا- من أن يمارسوا شعائر الإسلام، بل لم يمنعوا الدعاة -ولو يومًا واحدًا- عن أن يدعوا للإسلام، بل أعجب من ذلك أنهم لم يمنعوا المسلمين أن يتحاكموا لشريعة ربهم.

(1) سورة المائدة الآية 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت