الصفحة 63 من 83

وهذا أمر تتفوق فيه الأنظمة الحاكمة المعاصرة في ردتها على كفر التتار، ونحن فصلنا [1] معكم هذه المسألة ونقلنا الشهادات التاريخية الموثوقة التي تؤكّد أن التتار لم يكونوا يمنعون المسلمين عن التحاكم لشريعة ربهم، وأن المحاكم الإسلامية كانت منتشرة في طول البلاد الإسلاميّة وعرضها في زمن التتار وتحت ظل حكمهم، وأن القضاة المسلمين من المذاهب الأربعة كانوا يمارسون حكمهم بشريعة الله، كل هذا في ظل دولة التتار، والتي لا يختلف اثنان في كفرها.

ونقلنا فتاوى أئمة العلم وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية في تكفير التتار وفي وجوب قتالهم وأنه فرضٌ عينيّ على جميع المسلمين، رغم أنهم كانوا يسمحون بالدعوة ويسمحون بالدين ويسمحون بالشعائر الإسلامية، بل فوق ذلك كانوا يسمحون بتطبيق الشريعة الإسلامية على الناس وليس على الحكام، ولم يجبروا واحدًا من المسلمين يومًا واحدًا على الخضوع لأحكام ياسقهم الملعون، ورغم ذلك أفتى أئمتنا بوجوب قتالهم؛ لأن تلك العقيدة -عقيدة الولاء البراء- هي عقيدة عملية لا بد أن تظهر في القلب أولًا ثم على الجوارح ثانيًا. وأن كون الدول الكافرة -أصلية كانت أو مرتدة- تستتر بشيء من الإسلام فإنما هو تدجيل وتلبيس على الناس، كما أنه تبعيض للعبودية ولو كان في مسألة واحدة كما قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [2] ، وهذه المسألة محسومة في ديننا وتلك الصورة غير مقبولة مهما كانت تلك الصورة التي تتغطى بها.

وكذلك كان الأمر في ظل الدولة العبيدية المرتدة المعروف أمرها، والفتاوى الكثيرة فيها وفي ملوكها وفي زندقة القائمين عليها، ورغم ذلك كانت تلك الدولة المشهور بالزندقة والردة تسمح بشعائر الإسلام، وتسمح بالدعوة والدعاة، بل لم تشرع بغير ما أنزل الله، ولم تجبر الناس على الخضوع لأحكام تخالف الشريعة الإسلامية، فكانت الشريعة الإسلامية معمولًا بها، ولو ظاهريًا بين النال، ورغم ذلك كانت الفتوى بكفرهم وردتهم وزندقتهم وبوجوب قتالهم.

وفي إسرائيل دولة اليهود أحفاد القردة والخنازير، المساجد مفتوحة حتى في تل أبيب، وجماعات الدعوة والتبليغ تذهب لمساجد تل أبيب ليمارسوا الدعوة هناك، بدون نكير من الحكومة اليهودية؛ لأنه دين ترضاه الجاهلية أصلية كانت أم مرتدة، ودين لا يمثل أي ضرر ولا أي خطر على مصالحها وكياناتها، بل هو -على التحقيق- يخدم مصالحها؛ لأنه يظهر الدولة كدولة شرعية، وأنها ترحب بالدين، وتحمي حمى الإسلام، وأنها دولة العقيدة وأنها كذا وكذا.

(1) راجع دورة الحاكمية للشيخ أبي عبد الله المهاجر -سيُنشر تفريغها قريبًا-.

(2) سورة البقرة الآية 85

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت