وكذلك أمريكا، وكما ذكرنا فيها من المراكز والمؤتمرات الإسلامية الشيء الكثير، ويعيش فيها آلاف من الدعاة، ويوم أن ذهب شيخ ضرير وجلس فيها سنة أو سنتين انقلبت الدنيا على رأسه.
فقارن بين هؤلاء الذين جلسوا في أمريكا عشرات السنوات يمارسون الدعوة إلى الله ويدعون لدين الله على زعمهم، وبين على الشيخ المسن الضرير المليء بالأمراض المزمنة، لم تتحمل أمريكا وجود هذا الشيخ الدكتور عمر عبد الرحمن فكّ الله أسره، ولم تتحمل أمريكا أن تسمع منه بضع كلمات وخطب ومحاضرات، رغم أنها في نفس الوقت تتحمل عشرات الآلاف من الدعاة الذين يذهبون ويرجعون أو يقيمون في أمريكا، لماذا؟ فهذه علامة استفهام كبيرة جدًا تطرح نفسها، والعاقل من يتوقف عند علامة الاستفهام هذه، ومن رضي لنفسه مرتبة الأنعام فهو وشأنه.
فقارن بين تلك الدعوة وتلك الدعوة، فالشعار المرفوع من الفريقين واحد ولكن المضمون هو المختلف، والإسلام يتعامل مع المضامين ولا يتعامل مع المظاهر، فالإسلام دين جوهر قبل أن يكون دين مظهر، فهو جاء بإصلاح الظاهر والباطن، أمّا تلك الرسوم الممسوخة وتلك الشعارات التي ليس لها من الحقيقة شيء هي ليست من الإسلام في شيء.
وهذا الأمر أوضحه لنا الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أيّما وضوح، وانظر إلى دعوته في الفترة المكية والتي يحتج بها من لم يفقه معنى (لا إله إلا الله) وهي حجة عليه، -كما سنفصل في دروس السيرة-؛ في الفترة المكية في زمن الاستضعاف يوم كان يذوق المسلمون العذاب والنكال في دينهم، ورغم ذلك انظر إلى دعوته وماهيتها ومضمونها، وانظر لمحلها في عقيدة الموالاة المعاداة، تجد أنها ترجمة صادقة لعقيدة الموالاة والمعاداة.
فالنبي -صلى الله عليه وسلم- منذ الأيام الأولى لبعثته وهو يُصرِّح لأهل الجاهلية بكفرهم وبشركهم وبعيب آلهتهم وبتسفيه أحلامهم وبأنهم على الباطل الصُرَاح، والمُتأمّل للقرآن المكّي يجد تلك الآيات التي يُصرِّح فيها المولى -سبحانه وتعالى- بتكفير المشركين، وهم عند أنفسهم ليسوا بكفار -مثل المشركين اليوم-، فهم عند أنفسهم على الخير والهدى وعلى دين إبراهيم وسدنة الكعبة بل من طلاب العقيدة في زمنهم، ورغم ذلك كان القرآن المكي الذي يُتلى منذ أول يوم في مكة يصرّح بتكفيرهم وبعيبهم وبتسفيه أحلامهم وبأنهم على الباطل وبأنهم مشركون وبأنهم كافرون، بل ويعيب طغاتهم الكبار كالوليد بن المغيرة وأبي جهل وأبي لهب.
ولو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يأخذ بفقه المصالح والمفاسد، ذلك الفقه الأعوج الذي ينتشر بين المسلمين اليوم إلا من رحم ربي، لقال: لماذا أقابلهم بالعداوة؟ ولماذا أقابلهم بالنكير؟