الصفحة 65 من 83

ولماذا أسفِّه أحلامهم؟ ولماذا أعيب شرائعهم وباطلهم وقوانينهم؟ نحن في الفترة المكية وفي زمن الاستضعاف فلنمر هذه المرحلة بسلام.

وهؤلاء ليست القضية عندهم مَرْحَلِيّة بل هذا هو دينهم الذي يعتقدونه، قضية الموازنات الفاسدة أو التنازلات التي ليس لها نهاية.

فلم يفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، بل صرّح من أول يوم بالحق وبأن هؤلاء القوم ليسوا على شيء، وانظر إلى هذا وإلى محل المسلمين اليوم من هذه العقيدة، وانظر للمدح للطغاة والمتجبرين والظلمة، ولمدح أفعالهم وأقوالهم وتشريعاتهم، بل والمشاركة لهم في مجالسهم وأعيادهم وانتخاباتهم وبرلماناتهم، وإلى سائر هذه القائمة السوداء، وقارن بين هذا الحال وبين حال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفترة المكيّة.

فالنبي -عليه الصلاة والسلام- لم يسكت من بداية الدعوة عن تسفيه أحلام المشركين وعن التعرض لآلهة الكفار وعيبها، ولو أنه -حاشاه من ذلك- كتم الآيات التي فيها تسفيه لآلهتهم اللات والعزة ومناة -والمعبودات هي هي ولكن الأسماء تختلف، هذه معبودات حجرية وهذه معبودات بشريّة- ولم يصرح بتلك الآيات التي تتعرض للوليد بن المغيرة ولأبي جهل ولأبي لهب، وكذلك الآيات التي تصرح بالبراءة من المشركين وبنبذهم وعيبهم، وما أكثرها في كتاب الله وخاصّة في الفترة المكيّة، لو فعل ذلك لما تعرّضوا له ولما آذوه ولما وضعوا على ظهره سلا الجزور ولما هددوه بالقتل والفتك ولما عذّبوا أصحابه، ولكنّها سنّة ودعوة، فمن أراد أن يأخذها بحقها فليأخذها، أمّا من أراد أن يمسخها ويجعلها دينًا ممسوخًا فهو من المطففين عند الله -عز وجل-.

قال تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [1] ، وقال تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [2] وقال تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [3] ، فهذا هو الدين لمن أراد أن يأخذه، ومن لم يرد فليبحث له عن أي دين أراد، المسألة لا تحتمل غير هذا.

بل لكان له سعة وهو أصحابه أن يجلس في مكة بين ظهراني قومه وعشيرته وفي بلده التي وُلد فيها ونشأ وترعرع، ولكان له سعة في ترك الهجرة والتعب والنصب، كل هذه الأمور كانت تسعه لو أن الدين يتحمل هذه المسألة؛ يتحمل المداهنة والمداراة وعدم التصريح لهم بالمعاداة وبتسفيه آلهتهم وشرائعهم وقوانينهم الباطلة، لو أن هذا الأمر يسعه فلماذا يهاجر ويسبب

(1) سورة مريم الآية 12

(2) سورة الحجر الآية 34

(3) سورة الكهف الآية 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت