الصفحة 66 من 83

لأصحابه ولنفسه التعب والنصب وهذه الأمور التي تعرفونها أكثر مني؟ ولكن هو الدين، كما قال الإمام أحمد -الصّديق الثاني-، فمن أراد أن يأخذه بحقه فليأخذه أمّا من أراد أن يحرّفه ويبعّضه وأن يدلس على الناس فليتخذ له دينًا آخرًا.

واستمع لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وهو يُجلّي لنا هذه الحقيقة، والتي هي في الأصل من أولويات الإسلام ومن بدائيات الدعوة ومن أول الأمور التي يجب أن يفهمها الداعية، يقول الشيخ في رسالته المطبوعة في الجامع الفريد (شرح ستة مواضع من السيرة النبوية الشريفة) ، وهي رسالة علّق فيها الشيخ على ستة مواضع من السيرة النبوية، يقول الشيخ:

"الموضع الثاني: أنه -صلى الله عليه وسلم- لما قام ينذرهم عن الشرك، ويأمرهم بضده وهو التوحيد، لم يكرهوا ذلك واستحسنوه، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة وقالوا: سفّه أحلامنا وعاب ديننا وشتم آلهتنا." [1] اهـ. ( .. ) .

فالشيخ يقول أنه في بداية دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت قريش هذا كلام حسن، وهم -أي مشركو العرب- كانوا في الأصل موحدين حتى طرأ عليهم الشرك، فلمّا تعرّض النبي -صلى الله عليه وسلم- لباطلهم، وحقّق عقيدة الولاء والبراء ونبذهم وسفّه أحلامهم قلبوا له ظهر المجنّ، في البداية لم يتعرضوا له بل حدّثوا أنفسهم في الدخول في دينه والدخول في دعوته. ( .. ) .

فالجاهلية ترضى منك بالدين ولكن بشرط أن لا تتعرض لما هي عليه، بل تعينك وتنفق عليك الأموال وتعطيك الألقاب والمناصب والأموال والمراكب إلّا إذا تعرّضت لما هي عليه وصرّحت بتكفيرهم وعبت قوانينهم وشرائعهم الباطلة التي ما أنزل الله بها من سلطان، كل هذه الأمور لا يقبلوها منك أبدًا.

ثم يقول الشيخ معلقًا على كلامه السابق:"فإذا عرفت هذا، عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام -ولو وحَّد الله وترك الشرك- إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغض كما قال تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية. فإذا فهمت هذا فهمًا جيدًا عرفت أن كثيرًا من الذين يدّعون الدّين لا يعرفونها، وإلا فما الذي حمل المسلمين"

(1) رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- مطبوعة ضمن مجموع مؤلفات الشيخ الصادر من جامعة الإمام محمد بن سعود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت