على الصبر على ذلك العذاب والأسر والضرب والهجرة إلى الحبشة، مع أنه -صلى الله عليه وسلم- أرحم الناس لو يجد لهم رخصة لأرخص لهم." [1] اهـ. ( .. ) ."
وقارن بين هذا الكلام وبين ما تسمع اليوم من فقه ومن مصلحة وسياسة.
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مقام آخر في كتابه (مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم) :
"فلما أنذر -صلى الله عليه وسلم- الناس، استجاب له القليل. وأما الأكثر: فلم يتبعوا ولم ينكروا، حتى بادأهم بالتنفير عن دينهم وبيان نقائصه وعيب آلهتهم. فاشتدت عداوتهم له ولمن تبعه. وعذبوهم عذابًا شديدًا، وأرادوا أن يفتنوهم عن دينهم. فمن فهم هذا عرف أن الإسلام لا يستقيم إلا بالعداوة لمن تركه وعَيْب دينه، وإلا لو كان لأولئك المعذَّبين رخصة لفعلوا. وجرى بينه وبينهم ما يطول وصفه. وقص الله سبحانه بعضه في كتابه." [2] اهـ. ( ) .
فلو كان هناك رخصة لأولئك الصحابة الذين عُذّبوا ونُكّل بهم وهُجّروا من أوطانهم وديارهم لأخذوا بها، ومن يقول هذا فكأنّه يستدرك على النبي -صلى الله عليه وسلم- وكأنّه يستدرك على الصحابة، وكأنّه يخطّئ النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابهم أنهم لم يأخذوا بهذا الفقه الجديد الذي تفتّقت أذهانهم عنه، وكأنّه يستدرك على المعصوم -صلى الله عليه وسلم-.
وعند ابن إسحاق في سيرته أنّ قريشًا اجتمعت وذهبت إلى أبي طالب عم النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا له:"يَا أَبَا طَالِبٍ، إنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ سَبَّ آلِهَتَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَسَفَّهُ أَحْلَامَنَا، وَضَلَّلَ آبَاءَنَا .."اهـ. [3] ؛ فهذا الأمر هو الذي جعلهم يحاربونه وأصحابه هذه الحرب الضروس.
وكذلك عند ابن إسحاق قصّة أخرى بإسناد حسن، ورواها كذلك الهيثمي في (مجمع الزائد) وقال:"رواه أبو يعلى، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح"، والحديث حسن حسنه الألباني في تعليقه على (فقه السيرة) للغزالي.
والقصة أن وفد قريش ذهبوا لأبي طالب يطلبون منه أن يكف محمد - صلى الله عليه وسلم- عن عيبهم وعن تسفيه أحلامهم وعن نبذ آلهتهم ومعبوداتهم، فقال أبو طالب: (يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنْ كُنْتَ لِي لَمُطَاعًا، وَقَدْ جَاءَ قَوْمُكَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَأْتِيهِمْ فِي كَعْبَتِهِمْ، وَفِي نَادِيهِمْ تُسْمِعُهُمْ
(1) رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- مطبوعة ضمن مجموع مؤلفات الشيخ الصادر من جامعة الإمام محمد بن سعود.
(2) كتاب (مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم) للشيخ محمد بن عبد الوهاب صـ 34.
(3) سيرة ابن إسحاق صـ 148.