الصفحة 68 من 83

مَا يُؤْذِيهِمْ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَكُفَّ عَنْهُمْ). فَحَلَّقَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: (وَاللَّهِ مَا أَنَا بِأَقْدَرَ أَنْ أَدَعَ مَا بُعِثْتُ بِهِ مِنْ أَنْ يُشْعِلَ أَحَدُكُمْ مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ شُعْلَةً مِنْ نَارٍ) . فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: (وَاللَّهِ مَا كَذَبَ ابْنُ أَخِي قَطُّ، ارْجِعُوا رَاشِدِينَ) . [1]

والشاهد من هذا الموقف أمران؛ الأمر الأول أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُصرِّح بعيب آلهتهم وتسفيه أحلاهم كما أسلفنا، والأمر الثاني ردّ النبي -عليه الصلاة والسلام عليهم- فلم يقل بفقه المصالح المفاسد! ولم يداري ولم يداهن حفظًا على الدعوة، ولم يقل أن عندنا هامشًا واسعًا نستطيع أن نعمل فيه فلا نتعرض لهم، رغم أنهم -كما سيأتي معنا- عرضوا عليه المال والملك والنساء وغير هذه الأمور، ولم يقل لهم أيضًا نعقد حلف مشترك أو برلمان مشترك. الدين حق واضح لا يقبل التميع، والمسألة فطرية لا تحتاج لأدلة ولا لتقرير، والذي يقرأ القرآن مجرد قراءة يفهم الحقيقة، ولكن ران على قلوبهم وعلى عقولهم للأسف، ونتج عن هذا ضلال وبُعد عن المنهج الحق، وتبعيض وعرض في منتهى الخلل لحقائق الإسلام، الإسلام يعرض اليوم عرضًا في قمة الانحراف ممّن يُنْتظر منهم أن يطبقوا الإسلام، وهذه طامة كبرى!.

وهذه القصة لها رواية أخرى ضعيفة وهي التي فيها: (يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه) [2] ، فهذه رواية ضعيف يُتسامح فيها في باب السير، إلا أن الرواية التي ذكرناها أولًا هي روية صحيحة بل لها عدة طرق وحسّنها الألباني كما قلنا في تعليقه على (فقه السيرة) للغزالي. ( .... ) .

كذلك يوم أن اجتمع له زعماء قريش وعرضوا عليه المال، والحديث حسن حسّنه الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي، فقالوا:

(إنْ كُنْتَ إنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا، حَتَّى لَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا) [3] ، هذا العرض الذي لو عُرض اليوم على بعض هؤلاء لفرحوا جدًا ورأوا أنه قمة النصر؛ أن يصير أحدهم الملك أو رئيس الجمهورية، فيرى أن هذا قمة النصر ولا يعرف أنه هذا قمة الهزيمة، كما سيأتي معنا كلام سيد -رحمه الله-.

وانظر لهؤلاء الذين يتسابقون على الكراسي والبرلمانات وانظر إلى غلام الأخدود، بل انظر إلى سيد المرسلين -صلى الله عليه وسلم- في هذا الموقف، في رده على هذا العرض؛ فقال لهم

(1) سيرة ابن إسحاق صـ 155، (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) للهيثمي حديث رقم (9809) .

(2) سيرة ابن إسحاق 154.

(3) انظر سيرة ابن هشام ط السقا 1\ 293

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت