فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 294

والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان برسوله واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل. فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارًا، فإن الكافر من جحد توحيد الله تعالى وكذب رسوله إما عنادًا وإما جهلًا وتقليدًا لأهل، العناد فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد وقد أخبر الله تعالى في القرآن في غير موضع بعذاب المقلدين لإسلافهم من الكفار وأن الأتباع مع متبوعهم وأنهم يتحاجون في النار، ثم ذكر آيات في هذا وأحاديث ثم قال وهذا يدل على أن كفر من اتبعهم إنما هو مجرد اتباعهم وتقليدهم نعم لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال وهو الفرق بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن والمعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان أحدهما مريد للهدى مؤثر له محب له غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم مرشد، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات ومن لم تبلغه الدعوة، الثاني معرض لا إرادة له ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه فالأول يقول يا رب لو أعلم لك دين خير مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه ولا أقدر على غيره فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي، والثاني راض بما هو عليه لا يؤثر غيره عليه ولا تطلب نفسه سواه ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته وكلاهما عاجز وهذا لا يحب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق فالأول كمن طلب الدين في الفترة فلم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبع عجزًا وجهلًا، والثاني كمن لم يطلب بل مات على شركه ولو كان طلبه لعجز عنه ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض.

والله يقضي بين عباده يوم القيامة بعدله وحكمته ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل فهذا مقطوع به في جملة الخلق، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وعباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر وأن الله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة والتعيين موكول إلى علم الله، وحكمه هذا في أحكام الثواب والعقاب وأما أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم وبهذا التفصيل يزول الإشكال في هذه المسألة وهو مبني على أربعة أصول.

أحدهما: أن الله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه كما قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، وقال: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) ، وذكر آيات ثم قال وقال تعالى: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) والظالم من عرف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو تمكن من معرفته ثم خالفه وأعرض عنه، وأما من لم يكن عنده من الرسول علم أصلًا ولا تمكن من معرفته بوجه وعجز عن ذلك فكيف يقال أنه ظالم.

الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بشيئين أحدهما الإعراض عن الحجة وعدم إرادته بها ولموجبها، الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض والثاني كفر عناد، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا هو الذي نفى الله التعذيب عليه حتى تقوم حجته بالرسل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت