فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 294

وفي خلال تلك الفرقة حصل الابتلاء بتداعي الأمم علينا عقوبة إعراضنا عن هذا الأمر؛ وفي الحديث عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها"، قال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال:"بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، لينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن"، قال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال:"حب الدنيا وكراهة الموت".

فدل الحديث على أن الرغبة في الدنيا والإعراض عن الأخرى سبب الهلاك والدمار وتسلط الأعداء وفشل الأعمال. وعن ثوبان أيضًا مرفوعًا:"ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان"وقد اتسعت الفتنة بهم وعظم الخطب ودب الشوم على عقائد أهل الإسلام والإيمان، والتحق بهم من ليس له بصيرة ولا قدم صدق ولا معرفة بالحق؛ وظنوا أنهم بالتزامهم بعض أركان الإسلام من دون هذا الركن الأعظم على هدى مستقيم؛ وليس الأمر كذلك بل هو كما قال أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله: إذا أردت أن تعرف محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى ازدحامهم في أبواب المساجد ولا إلى ضجيجهم بلبيك ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة.

فاللجا اللجا إلى حصن الدين والاعتصام بحبل الله المتين والانحياز إلى أوليائه المؤمنين، والحذر الحذر من أعدائه المخالفين، فأفضل القرب إلى الله تعالى، مقت من حاد الله ورسوله وجهاده باليد واللسان والجنان بقدر الإمكان وما ينجي العبد من النيران، ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فلا بد أن ينقاد لأوامر القرآن والسنة ويتبرأ من كل معتقد يخالف ما عليه السلف الصالح من سادات الأمة، وهل زال الإسلام وغيرت الأحكام وابتدع في الدين ما لم يأذن به الملك العلام إلا بدعاة أبواب جهنم يصدون الناس عن دينهم، فاتقوا الله عباد الله ولا تذهب بكم الدنيا كل الذهاب فإنها رأس كل خطيئة، وليست من أولها إلى آخرها عوضًا والله عن ذرة من ذرات الآخرة.

وكلما صدر ممن يدعي الإسلام من الإعراض عن هذا الأمر وتولى المشركين والطعن على المسلمين واستعجال الراحة والرضا عن النفس والتزيين هو بعينه نفس العقوبة وسبب الخذلان ومركب الندم والهوان، قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) فكيف يخلد إلى الدنيا ويصادق الأعداء وينسى عهود الحمى -من يؤمن بالله واليوم الآخر ويخاف سوء الحساب، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) .

قال حذيفة رضي الله عنه: ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر، وتلا هذه الآية. وعاتب عمر رضي الله عنه أبا موسى في جعل النصراني كاتبًا وقال: ما لك وله قاتلك الله، أما اتخذت حنيفًا مسلمًا؟ وتلا هذه الآية، وهذا مع استخدامه، فكيف بموالاته وإكرامه؟ وقد نفى الله تعالى الإيمان عمن وادّ المشركين فقال تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت