فهرس الكتاب
وأما من يسافر إلى بلدان المشركين للتجارة فهؤلاء إن لم يصدر منهم موالاة ومداهنة وملاطفة للمشركين والمرتدين فهم أخف حالًا ممن تقدم ذكرهم، وهم مشتركون معهم في التحريم متفاوتون في العقوبة، لأن الإقامة تصدق على القليل والكثير والحكم منوط بالإقامة والمجامعة في النصوص، لكن كلما خفّت المفسدة خف الحكم، وقد يكون المسافر أخبث من المقيم، وشاهدنا من فسقة المسافرين من أهل القصيم وغيره من المنكرات العظيمة ما لا يحصى من ترك الصلاة وشرب المسكرات وتحسين طرائق المشركين والطعن في أهل الدين ما لا يحكم لأكثرهم معه بإسلام، حتى أن التُرك وبعض أهالي مصر يتحاشون من فعل فسقة نجد، ولا شك أن بغض هذا الصنف ومقته والنفرة منه هو عين المصلحة وليس هجر هذا الجنس من الهجر المندوب بل من الواجب لأن المفسدة عظمت بهم، فهم ومن يترخص لهم من المنتسبين أعظم بلية من العدو البعيد.
والقاعدة الكلية في هذا ترجيح ما يفضي إلى ضعف الشر وخفته وإعزاز الحق وقمع الباطل وارتداع المخالف. قال شيخ الإسلام لما ذكر هذه القاعدة: ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يتألف أقوامًا ويهجر، آخرين ولبعضهم شعرًا:
صعبت تكاليف الشريعة فانثنى ... / ... وسطًا عليها كل خب لاه
فاشدد يديك بحبل ملة أحمد ... / ... لا تخدعن بمنصب أو جاه
وأسلك طريق اللطف في تبليغها ... / ... متجردًا فيها لوجه الله