فهرس الكتاب
والثاني مسلم ترخص لنفسه وآثر دنياه واختار أوطانهم لعذر من الأعذار الثمانية، فهجر هذا الصنف من الناس هو من باب هجر أهل المعاصي الذي ترجم له البخاري وغيره، ولا يهجر هجر الكفار بل له حقوق في الإسلام منها مناصحته والدعاء له إلا أنا لا نظهر له محبة وملاطفة كالذين آمنوا وعملوا الصالحات بحيث إنه لا يرى له ذنبًا ويغتر به غيره، وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة مع إيمانهم وأجلى عمر صبيغًا إلى وطنه وأمره بهجره ونهى الناس عن كلامه، ولم يزل الصحابة رضي الله عنهم يهجرون في أقل من هذا، وفي الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود والترمذي والدارقطني والطبراني من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين"، وأخرجه أيضًا ابن ماجه ورجال إسناده ثقات وله شاهد من حديث معاوية بن حيدة مرفوعًا:"لا يقبل الله من مسلم عملًا أو يفارق المشركين"أخرجه النسائي، وحديث سمرة مرفوعًا:"من جامع المشرك"إلى آخره رواه أبو داود. ويشهد لصحة هذه الأحاديث قوله تعالى: (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ) فنحن نتبرأ مما تبرأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونجانبه شاء العاصي أم أبى.
وقد ذكر محي السنة البغوي كلامًا يحسن ذكره ههنا قال: فأما هجر أهل العصيان وأهل الريب في الدنيا فيشرع إلى أن تزول الريبة عن حالهم وتظهر توبتهم؛ قال كعب بن مالك حين تخلف عن غزوة تبوك ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا وذكر خمسين ليلة، وجعل محمد بن إسماعيل رحمه الله حد التبين توبة العاصي؛ وقال عبد الله بن عمر: لا تسلموا على شربة الخمر؛ وقال أبو الدرداء: لن تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في ذات الله ثم تقبل على نفسك فتكون لها أشد مقتًا، انتهى كلامه رحمه الله.
والأصل الجامع لهذا أن معرفة استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد خوفًا ورجاء وإجلالًا ومحبة وتعظيمًا لا تبقي في القلب السليم محبة لأعدائه وموادة، لأن المحبة أصل كل عمل من حق وباطل، فأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله؛ فلما غلب على الناس حب الدنيا وإيثارها أنكروا هذا ونسوا ما كانوا عليه أولًا (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) جهلًا منهم بحقيقة الإسلام ولوازمه وقواعده العظام، ولو لم يكن في هذا إلا سد الذرائع المفضية إلى عقد المصالحة بين المسلم والمشرك لكان كافيًا، ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم وإيثار الدنيا فتح بعض المنتسبين أبوابًا على حصن الإسلام إيثارًا لموافقة العوام، وليت هؤلاء احتاطوا لأديانهم بعض ما احتاطوا لرياساتهم وأموالهم، وما أحسن ما قيل:
قد كنت عدتي التي أسطو بها ... / ... ويدي إذا عض العدو ساعدي
فدهيت منك بضد ما أملته ... / ... والمرء يشرق بالزلال البارد