فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 294

وسئل عن الهجر إلى آخر فأجاب: الهجر المشروع قد قام الدليل عليه وأشار جل من السلف إليه، وهو مراتب وله أحوال والسلام تفاصيل على القلب واللسان والجوارح، قال الله تعالى عن الخليل عليه السلام: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي) ، وقال تعالى عن أصحاب الكهف: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) وقد هجر النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة وقصتهم مشهورة، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في الهدي في فقه القصة ما يكفي.

وأصل الهجر الترك والفراق والبغض، وشرعًا: ترك ما نهى الله عنه ومجانبته والبعد عنه، وهو عام في الأفعال والأشخاص، وهو في المشركين ومن لاذ بهم واستحسن ما هم عليه وخدمهم وازدرى أهل الإسلام أعظم لأن قبح الشيء من قبح متعلقه، وهذه الجملة فيها أقسام ولها تفاصيل.

منها هجر الكفار والمشركين والقرآن من أوله إلى آخره ينادي على ذلك ومصلحته تمييز أولياء الله من أعدائه وقريب من هذا هجر أهل البدع والأهواء وهو نص الإمام أحمد وغيره من السلف على البعد عنهم ومجانبتهم وترك الصلاة عليهم، وقال: أهل البدع إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم، فتجب مفارقتهم بالقلب واللسان والبدن إلا من داع الدين مجاهد عليه بالحجة من أمن الفتنة قال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ) الآية والآيات والأحاديث وكلام العلماء في هذا كثير.

قال بعض المحققين: ويكفي العاقل قوله تعالى بعد نهيه عن موالاة المشركين: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) الآية. وقد حكى ابن كثير رحمه الله تعالى الإجماع على أن تارك الهجرة عاص مرتكب محرمًا على ترك الهجرة ولا يكفي بغضهم بالقلب بل لا بد من إظهار العداوة والبغضاء، قال تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) .

فانظر إلى هذا البيان الذي ليس بعده بيان حيث قال: (وَبَدَا بَيْنَنَا) أي ظهر، هذا هو إظهار الدين فلا بد من التصريح بالعداوة وتكفيرهم جهارًا والمفارقة بالبدن، ومعنى العداوة أن تكون في عدوة والصد في عدوة أخرى كان أصل البراءة المقاطعة بالقلب واللسان والبدن وقلب المؤمن لا يخلو من عداوة الكافر وإنما النزاع في إظهار العداوة فإنها قد تخفى لسبب شرعي وهو الإكراه مع الاطمئنان، وقد تخفى العداوة من مستضعف معذور عذره القرآن، وقد تخفى لغرض دنيوي وهو الغالب على أكثر الخلف، هذا إن لم يظهر منه موافقة، ودعوى من أعمى الله بصيرته وزعم أن إظهار الدين هو عدم منعهم ممن يتعبد أو يدرس دعوىة باطلة فزعمه مردود عقلًا وشرعًا وليهن من كان في بلاد النصارى والمجوس والهند ذلك الحكم الباطل لأن الصلاة والأذان والتدريس موجود في بلدانهم وهذا إبطال للهجرة والجهاد وصد الناس عن سبيل الرشاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت