فهرس الكتاب
واستدل العلماء بهذه الآية ونحوها على أنه لا يجوز التقليد في معرفة الله والرسالة، وحجة الله سبحانه قائمة على الناس بإرسال الرسل إليهم وإن لم يفهموا حجج الله وبيناته، قال الشيخ موفق الدين أبو محمد بن قدامة رحمه الله لما أنجز كلامه في مسألة هل كل مجتهد مصيب ورجح قول الجمهور: إنه ليس كل مجتهد مصيبًا، بل الحق في قول واحد من أقوال المجتهدين. قال: وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر فعجز عن إدراك الحق فهو معذور غير آثم، إلى أن قال: أما ما ذهب إليه الجاحظ فباطل يقينًا وكفر بالله ورد عليه وعلى رسوله، فإنما نعلم قطعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه، وذمهم على إصرارهم وقاتلهم جميعًا بقتل البالغ منهم. ونعلم أن المعاند العارف ممن يقل، وإنما الأكثر مقلدة اعتقدوا دين آبائهم تقليدًا ولم يعرفوا معجزات الرسول وصدقه، والآيات الدالات في القرآن على هذا كثيرة كقوله (ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) ، وقال: (وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، (إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) ، وقوله: (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ) ، (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) ، (( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ) الآية. وفي الجملة ذم المكذبين للرسول مما لا ينحصر في الكتاب والسنة. انتهى.
والعلماء يذكرون أن من أنكر وجوب عبادة من العبادات الخمس أو قال في واحدة إنها سنة لا واجبة أو جحد حل الخبز ونحوه أو جحد تحريم الخمر أو نحوه أو شك في ذلك ومثله لا يجهله كفر، وإن كان مثله يجهله عُرّف ذلك فإن أصر بعد التعريف كفر وقتل، ولم يقولوا فإذا تبين له الحق وعاند كفر. وأيضًا فنحن لا نعرف أنه معاند حتى يقول أنا أعلم أن ذلك حق ولا ألتزمه أو لا أقوله، وهذا لا يكاد يوجد.
وقد ذكر العلماء من أهل كل مذهب أشياء كثيرة لا يمكن حصرها من الأقوال والأفعال والاعتقادات أنه يكفر صاحبها، ولم يقيدوا ذلك بالمعاند. فالمدعي أن مرتكب الكفر متأولًا أو مجتهدًا أو مخطئًا أو مقلدًا أو جاهلًا معذور مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك مع أنه لا بد أن ينقض أصله، فلو طرد أصله كفر بلا ريب كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأما الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه وأن الله غفر له مع شكه في صفة من صفات الرب سبحانه فإنما غفر له لعدم بلوغ الرسالة له، كذا قال غير واحد من العلماء.
ولهذا قال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى: من شك في صفة من صفات الرب ومثله لا يجهلها كفر، وإن كان يجهلها لم يكفر قال: ولهذا لم يكفّر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الشاك في قدرة الله تعالى لأنه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة، وكذا قال ابن عقيل وحمله على أنه لم تبلغه الدعوة. واختيار الشيخ تقي الدين في الصفات أنه لا يكفر الجاهل، وأما في الشرك ونحوه فلا كما ستقف على بعض كلامه إن شاء الله تعالى.