فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 294

والجواب عن ذلك كله: أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، واعظم ما أرسلوا به ودعوا إليه عبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك الذي هو عبادة غيره. فان كان مرتكب الشرك الأكبر معذور لجهله فمن هو الذي لا يعذر؟ ولازم هذه الدعوى أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند، ومع أن صاحب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصله، بل لا بد أن يتناقض فإنه لا يمكنه أن يتوقف في تكفير من شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو شك في البعث أو غير ذلك من أصول الدين، والشاك جاهل، والفقهاء رحمهم الله يذكرون في كتب الفقه حكم المرتد وأنه المسلم الذي يكفر بعد إسلامه نطقًا أو فعلًا أو اعتقادًا أو شكًا. وسبب الشك الجهل، ولازم هذا لا يكفّر جهلة اليهود والنصارى ولا الذين يسجدون للشمس والقمر والأصنام لجهلهم، ولا الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار لأننا نقطع أنهم جهال، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى أو يشك في كفرهم، ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال.

وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى: من سب الصحابة أو واحدًا منهم واقترن بسبه دعوى أن عليًا إله أو أن جبريل غلط فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره، وقال: ومن زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر أو أنهم فسقوا فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر، قال: ومن ظن أن قوله سبحانه وتعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) بمعنى قدر وأن الله ما قدر شيئًا إلا وقع وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله فإن هذا من أعظم الناس كفرًا بالكتب كلها. انتهى.

ولا ريب أن أهل هذه المقالة أهل علم وزهد وعبادة، وأن سبب دعواهم هذه الجهل، وقد أخبر الله سبحانه عن الكفار أنهم في شك مما تدعوهم إليه الرسل، وأنهم في شك من البعث، فقالوا لرسلهم (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) وقال: (وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) ، وقال إخبارًا عنهم: (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ) ، وقال عن الكفار: (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) وقال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) ، ووصفهم بغاية الجهل كما في قوله تعالى: (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) ، وقد ذم الله المقلدين بقوله عنهم: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) الآيتين. ومع ذلك كفرهم سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت