فهرس الكتاب
فصلوقد أورد بعضهم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ذكر كلامًا وحكايات تدل على أن دعاء الأموات ليس بشرك،
كما ذكر أنه روى أن رجلًا جاء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فشكى إليه الجدب عام الرمادة، فرآه وهو يأمره أن يأتي إلى عمر بن الخطاب فيأمره أن يستسقي بالناس وغير ذلك من الحكايات.
قال بعض المجادلين: ولو سلم لكم في بعض الأمور أنها شرك أو كفر فإن الشيخ ذكر في (اقتضاء الصراط المستقيم) أن المتأول والمجتهد المخطئ والمقلد مغفور لهم ما ارتكبوه من الشرك والكفر. فهذا تلبيس من الناقل وكذب على الشيخ رحمه الله، لأنه إنما قال ذلك في سياق الكلام في بعض البدع كتحري دعاء الله عند قبر النبي وغيره، فقال: وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحًا ولا يكون عالمًا أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه. وهذا باب واسع، وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ويحصل له نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة. ثم العامل قد يكون متأولًا أو مخطئًا مجتهدًا أو مقلدًا فيغفر له خطأه ويثاب على ما فعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع.
قال: والحاصل أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهية شرعية بمنزلة سائر العبادات. وقد علم أن العبادة المشتملة على وصف مكروه قد تغفر تلك الكراهة لصاحبها لاجتهاده أو تقليده أو حسناته أو غير ذلك، ثم لا يمنع أن ذلك مكروه منهي عنه، وإن كان هذا الفاعل المعين قد زال موجب الكراهة في حقه. قال: فإذا سمعت دعاء أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة لصاحبها فكثيرًا ما يكون من هذا الباب ولا يقال هؤلاء لما نقصت معرفتهم يسوغ لهم ذلك فإن الله لم يسوغ هذا لأحد، لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة، أما استحباب المكروهات أو إباحة المحرمات فلا فرق بين العفو عن الفاعل والمغفرة له وبين إباحة فعله أو المحبة له، وإنما استحباب الأفعال واتخاذها دينًا بكتاب الله تعالى وسنة نبيه وما كان عليه السابقون الأولون وما سوى هذا من الأمور المحدثة فلا تستحب وإن اشتملت أحيانا على فوائد، لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها، لما يخاف عليهم من الافتتان وإنما تكون الفتنة إذا انعقد سبيلها. فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف الافتتان به لما نهى الناس عن ذلك. انتهى.
فانظر قوله: وليس هذا مما نحن فيه، وليس فيه معارضة لما ذكرنا، لأنه قرر أن قصد القبور لدعاء الله عندها بدعة منهي عنه، وكذلك قرر أن دعاء الأموات والغائبين والاستغاثة بهم شرك، وذكر أنه ليس في جميع ما ذكره معارضة لما قرره دفعًا لما قد يتوهم.
واحتج بعض من يجادل عن المشركين بقصة الذي أوصى أهله أن يحرقوه بعد موته على أن من ارتكب الكفر جاهلًا لا يكفر، ولا يكفر إلا المعاند.