فهرس الكتاب
ومن أعظم المصائب إعراض أكثر الناس عن النظر في معنى هذه الكلمة العظيمة حتى صار كثير منهم يقول: من قال لا إله إلا الله ما تقول فيه شيئًا وإن فعل ما فعل، لعدم معرفتهم بمعنى هذه الكلمة نفيًا وإثباتًا. مع أن قائل ذلك لا بد أن يتناقض، فلو قيل له: ما تقول فيمن قال لا إله إلا الله ولا يقر برسالة محمد بن عبد الله؟ لم يتوقف في كفره، أو أقر بالشهادتين وأنكر البعث لم يتوقف في تكفيره، أو استحل الزنا واللواط ونحوهما، أو قال: أن الصلوات الخمس ليست بفرض أو أن صيام رمضان ليس بفرض فلا بد أن يقول بكفر من قال ذلك، فكيف لا تنفعه لا إله إلا الله إذا ولا تحول بينه وبين الكفر، فإذا ارتكب ما يناقضها وهو عبادة غير الله وهو الشرك الأكبر الذي هو أكبر الذنوب قيل هو يقول لا إله إلا الله ولا يجوز تكفيره لأنه يتكلم بكلمة التوحيد! لكن آفة الجهل والتقليد أوجبت ذلك، وهؤلاء ونحوهم إذا سمعوا من يقرر أمر التوحيد ويذكر الشرك استهزءوا به وعابوه.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله في أثناء كلام له: والضالون مستخفون بتوحيد الله، يعظمون دعاء غيره من الأموات، وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا عن الشرك استخفوا به كما قال تعالى (وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا، إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا) الآية. فاستهزأوا بالرسول صلى الله عليه وسلم لما نهاهم عن الشرك، وما زال المشركون يسبون الأنبياء ويصفونهم بالسفاهة والضلال والجنون إذا دعوهم إلى التوحيد لما في أنفسهم من تعظيم الشرك، وكذلك من فيهم شبه منهم إذا رأوا من يدعوا إلى التوحيد استهزءوا به لما عندهم من الشرك، ومن كيد الشيطان لمبتدعة هذه الأمة المشركين بالبشر من المقبورين وغيرهم، ولما علم عدو الله أن كل من قرأ القرآن أو سمعه ينفر من الشرك ومن عبادة غير الله ألقى في قلوب الجهال أن هذا الذي يفعلونه مع المقبورين وغيرهم ليس عبادة لهم، وإنما هو توسل وتشفع بهم والتجاء إليهم ونحو ذلك، فسلب العبادة والشرك اسمهما من قلوبهم وكساهما أسماء لا تنفر عنها القلوب، ثم ازداد اغترارهم وعظمت الفتنة بأن صار بعض من ينسب إلى علم ودين يسهل عليهم ما ارتكبوه من الشرك، ويحتج لهم بالحجج الباطلة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.