فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 294

أيظن من وقع منه مثل ما وقع من أولئك أنه يسلم من هذه العقوبات، وليس معه براءة من الله، وهو يعلم أن ما كلف به أولئك كلف به من بعدهم، وما عوقبوا به عوقب به من بعدهم إذا عمل بأعمالهم ونسج على منوالهم؟ نسأل الله الثبات في الدين واتباع سبيل المؤمنين. ومن تدبَّر القرآن مسترشدًا مصيخًا مصيغا علم أن الرسل إنما بعثوا إلى الناس بالدعوة إلى أن يعلموا بالتوحيد، ويؤدوا ما افترض الله عليهم، ويجتنبوا ما نهاهم عنه من عبادة ما سواه، ويخلصوا أعمالهم لله وحده.

واالقرآن العظيم من أوله إلى آخره يقرر هذا التوحيد وينهى عن الشرك بالله في عبادته التي لا يصلح أن يتعبد بها غيره. فانظر واستمع تجده يقرر الإخلاص وشرايعه، وينفي الشرك وتوابعه بأوضح بيان. وكذلك الأحاديث والسير ترشد إلى ذلك وتقرره على أكمل الوجوه وأحسن البيان، لكن لما اشتدت غربة الدين بعموم المفسدين وقع الريب والشك بعد الإيمان، وانتقض أكثر عُرَى الإسلام بانقراض عصر الأئمة الأعلام، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"إنما تنقض عُرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية".

ومما انتقض من عراه الحب في الله والبغض في الله والمعاداة والموالاة لله وفي الله، كما جاء في الحديث الصحيح:"إن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله". وأنت ترى حال الكثير حبه لهواه وبغضه لهواه، ولا يسكن الا لمن يلائمه في طبعه وهواه، وأن غرَّه وأغراه، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والحاصل أن كل قول وعمل يحبه الله ويرضاه فهو من مدلول لا إله إلا الله، إما مطابقة وإما تضمنا وإما التزاما، يقرر ذلك أن الله سماها كلمة التقوى، والتقوى أن يتقي العبد سخط الله وعقابه وعذابه بترك الشرك والبراءة منه ومن أهله، وإخلاص العبادة لله تعالى وامتثال ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، متبعا في ذلك كله ما شرعه الله ورسوله. وقد عرفها السلف رضي الله عنهم. قال مطلق بن حبيب:"التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله".

وأخرج الترمذى وابن ماجه بإسناده عن عبد الله بن يزيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) ، قال أبو بكر الصديق: فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، أي لم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه بالحب ولا بالخوف ولا بالرجاء ولا بالتوكل عليه بل لا يحبون إلا الله ولا يحبون إلا له.

وقال شيخنا شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: سألني الشريف عما نقاتل عليه وما نكفر به؟ فقال في الجواب: إنا لا نقاتل إلا على ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان بعد التعريف إذا عرف ثم أنكر، فنقول: أعداؤنا معنا على أنواع:

الأول: من عرف من التوحيد دين الله ورسوله، وأن هذه الاعتقادات في الحجر والشجر والبشر الذي هو دين غالب الناس أنه الشرك الذي بعث الله رسوله بالنهي عنه، وقاتل أهله ليكون الدين كله لله، ولا يلتفت إلى التوحيد ولا يعلمه ولا دخل فيه ولا ترك الشرك فهذا كافر نقاتله، لأنه عرف دين الرسول فلم يتبعه، وعرف دين المشركين فلم يتركه، مع أنه لم يبغض دين الرسول ولا من دخل فيه ولا يمدح الشرك ولا يزينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت