فهرس الكتاب
والمقصود من القول، لا ينفع إلا مع علم القلب وإيمانه ويقينه، والأعمال تصدق ذلك إذا كانت على مقتضى الإيمان، وأما مع الإتيان بالمنافي فإنه أعدل شاهد على كذب ذلك القول، إذ لو كان صدقا لعمل بمدلول ذلك. ومدلول اللفظ هو المعنى المطابق للدال وهو اللفظ، وكل قول يستعمل دال ومدلول المعنى الذي وضع ذلك اللفظ للدلالة عليه. إذا عرف ذلك فإن منهم من يقول لا إله إلا الله عارفا بمدلولها لكن قد يعرض له ما يمنعه من الاستقامة على العلم، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ، وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) .
فتأمل ما ذكره المفسرون في معنى هذه الآيات، وكان يمنعني من سياق كلامهم وجوده وشهرته مع أن قصدي الاختصار.
ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفر من كفر من العرب ولم يتركوا قول لا إله إلا الله، ومنهم بنو حنيفة كفروا بتصديق مسيلمة في كذبه، وقصة عمر مع أبي بكر مشهورة في الصحاح والسنة والمسانيد، وتأمل قوله الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) .
وسبب نزولها وفيمن نزلت مشهور في كتب التفسير والحديث.
وكان أولئك النفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك يصلون وينفقون ويجاهدون فكفرهم الله تعالى بما قالوه، وكذلك قوله تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) الآية.
وسبب نزولها ومن نزلت فيهم معروف لا يحتاج إلى أن نذكره.
وقوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ) فليتق الله المرء في نفسه ويخاف من عقوبات الذنوب.
وكذلك قول الله تعالى عن أهل مسجد الضرار: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًَا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) . وهو أبو عامر الفاسق ..
وهؤلاء ومن قبلهم يقولون لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وفي الظاهر هم كانوا في عداد الأنصار قبل أن يظهر الله ما أسروه من الكفر، وقال الله في شأنهم: (لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) أي بالموت. والكتاب والسنة مملوءان بمثل هذه الأدلة، وفيما ذكرناه كفاية للمسترشدين، وبالله التوفيق.