فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 294

ومنهم من يقول لا إله إلا الله ولا عرف مدلولها من النفي والإثبات، فيثبت بفعله ما دلت هذه الكلمة العظيمة على نفيه بإشراكه بالله في الإلهية، وينفي ما دلت على إثباته من إفراده الرب تعالى بالإلهية وينكر ذلك، ويعادي من دعا إلى التوحيد وعرف به، وذلك من فرط جهله بمعنى ما يقول كما هو الغالب على أكثر من يقول لا إله إلا الله، فإذا قال الموحد: لا تجوز العبادة إلا لله تعالى فلا يدعى إلا الله ولا يرجى ولا يتوكل إلا عليه، وأمثال ذلك من أنواع العبادة، أنكرته قلوبهم وألسنتهم.

قال النووي في شرح حديث سعد في شأن الرجل الذي قال فيه سعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك عن فلان إني لأراه مؤمنا؟ قال: أو مسلما. قال: وفيه دلالة لمذهب أهل الحق في قولهم إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد بالقلب خلافا للكرامية وغلاة المرجئة في قولهم يكفي الإقرار. وهذا خطأ ظاهر يرده إجماع المسلمين والنصوص في إكفار المنافقين وهذه صفتهم، انتهى.

قلت: فإذا دان المرء بالشرك بالله وأنكر التوحيد فهذا أعدل شاهد على أنه ليس في قلبه من الإيمان شيء، كما قال تعالى: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) وأمثال ذلك من الآيات صح.

فليتأمل الناصح لنفسه ما قرره الله تعالى في كتابه من أدلة التوحيد كقوله: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) .

ومنهم المنافقون وقد كانوا مع المسلمين يقولون لا إله إلا الله ويشهدون أن محمدًا رسول الله، ويصلون ويزكون ويصومون ويجاهدون مع المسلمين ولم يظاهروا عليهم عدوا، ومع هذا وغيره أكذبهم الله لما جاءوا رسوله وقالوا: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) فأكدوا شهادتهم بالمؤكدات إن واللام، فقال الله عز وجل: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) .

ووجه الدلالة من هذه الآيات أن شهادتهم وأعمالهم لم تنفعهم مع قيام المنافي لذلك، فإنهم قام بهم من الجهل والشك والريب وغير ذلك ما صاروا به كفارًا في الدرك الأسفل من النار، ومن صفاتهم ما ذكر الله في سورة البقرة: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) ، إلى قوله: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) الآية.

وقال في سورة النساء: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ) .

وقال تعالى: (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) .

وقال: (يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَابَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت