فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 294

والإشارة إلى بعض ما تنقض به عُرى الدين

والباعث على ذلك ما بلغنى عن رجل كان قبل طروق الفتن يغلو في التكفير ويكفر بأشياء لم يكفر بها أحد من أهل العلم، ثم إنه قال بعد ذلك لما غرق في الفتن ـ أعاذنا الله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن: من قال لا إله إلا الله فهو المسلم المعصوم، وإن قال ما قال.

فأقول وبالله التوفيق:

اعلم أن لا إله إلا الله كلمة سلام، ومفتاح دار السلام، وقد سماها الله كلمة التقوى والعروة الوثقى، وهى كلمة الإخلاص التي جعلها إبراهيم عليه السلام باقية في عقبه، ومضمونها نفي الإلهية عما سوى الله، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله وحده، كما قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ) .

وقال عن يوسف عليه السلام: (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) إلى قوله: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) .

وقال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) ، وقال: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) .

وقال: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا) .

وقال: (قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ) .

والقرآن من أوله إلى آخره يقرر أن دين الله الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه هو إخلاصُ العبادة بجميع أنواعها لله وحده دون كل ما سواه، والبراءة من الشرك وأهله (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي شرك، وهذا لا يخفى على من له أدنى بصيرة، فهذا هو مدلول لا إله إلا الله. وقد عرف ذلك كفار قريش فما انقادوا له، فإنهم لما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يقولوا لا إله إلا الله قالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) .

وقد تفاوت الناس في هذا التوحيد الذي هو معنى لا إله إلا الله فهما وعلما واعتقادا وعملا أعظم تفاوت، فمنهم من يقولها عن علم ويقين صادق مخلصا من قلبه، وأدى حقوقها وعمل بمقتضاها من المعاداة لأهل الشرك بالله والموالاة لأهل التوحيد متقدمهم ومتأخرهم، واستقام على ذلك ولم يأت بما يبطلها. وهؤلاء هم المسلمون المؤمنون الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك، فأدوا شكر ما أنعم الله به عليهم بالإخلاص له والبراءة من كل دين يخالف ذلك، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) الآية.

والمراد الربوبية الخالصة، وهى أن يتخذوا خالقهم ومالكهم والمتصرف فيهم معبودا دون كل ما سواه. أخرج ابن جرير بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) ، قال:"قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت