فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 294

قلت: وما زال العلماء في كل عصر يقبلون جوائز الأمراء، ويأخذون حقهم من بيت المال، فلم ينكر ذلك أحد من أهل الورع ولا غيرهم من العلماء، إذا عرف ذلك فهنا أمر ينبغي الإشارة إليه، وهو أن يقال: ما حكم هذه الأموال لما كانت بأيدي أناس تغلبوا عليها بعد أئمة المسلمين، وجاروا على الناس وصدوهم عن الحق وأفسدوا في الأرض بالمعاصي؟

فإن عُلِمَ أن ما بأيديهم هو عين ما غصبوه فالحكم فيه كالحكم في الأموال المغصوبة، وكذا ما علم أن صاحبه أخذه على وجه الخيانة، فينبغي أن يجتنب. فينظر حال هذا الرجل المعترض فإن كان متحاشيا من أخذ هذه الأموال، ويتباعد عمن كانت في يده ولم يبق إلا أنه جهل حكم تلك الأموال، فالأمر أهون، وإن كان لا يتحاشى من الحرام الذي هذا وجهه، ويحرم الحلال الذي عرف وجهه، صار محلا لإساءة الظن به، خصوصا إذا عرف أنه لا سبب بينه وبين أولاد الشيخ يقتضي هذه العداوة إلا الدين الذي يعرفون به ويدعون إليه، فقد كان بعض أهل نجد لما أخرج الله ضغائنهم توصلوا إلى مسبة دين الله بمسبة أهله، كما فعل أشباههم من الماضين: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَابَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) .

ثم إن هذا المعترض قال في أولئك الذين وجَّه الطعن إليهم: نظروا إلى سد باب القبلة ومصر ولم ينظروا إلى أبواب السماء. يعني أنهم رضوا لمتولي أمرهم أن يداهن أهل تلك الجهات.

فالجواب: أين أنت يا هذا لما كان أهل مصر ببلاد نجد، هل صحبتهم وأقمت فيهم أم فارقتهم وخالفتهم؟ فارجع العيب إلى نفسك، إن كنت إذ ذاك في عدادهم.

ونقول أيضا في الجواب: لا يخلو هذا الرجل من حالتين، إما أن يكون من أبله الناس وأشدهم غباوة وأجهلهم بالناس وأحوالهم، ولا معرفة له بالواقع أصلا، وإما أنه يتعمد الكذب ولا يبالي، ويظن أن ولي الأمر لا يعرف الحال، فلعله أن ينقدح في قلبه من ذلك شك، أو إشكال، وإلا فمن المعلوم من رأيهم لولاة الأمر ونصحهم لهم التنبيه على أن هذا الأمر لا يصلح مع حاله، وأن الموازرة لا تصل إلى هذا الحد الذي يفعلونه، وأنه كان يكفيهم ما فعلوه معهم كف أيديهم، وقد كانوا يوصون الأئمة بتقوى الله والعمل بكتابه وسنة رسوله، واتباع شرعه وتنفيذ أحكامه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك من فضل الله تعالى عليهم وعلى الناس.

ومن ادعى ما ليس فيه كذّبته شواهد الامتحان، ومن كانت هذه حالهم فلا يتعرض لسبهم وعداوتهم إلا من يكره هذه الأفعال، فإن العداوة لها أسباب أعظمها اختلاف الدين، والناس إنما يتميزون بأعمالهم لا بأقوالهم، فرب ناطق بالحق وهو لا يحبه ولا يقبل أهله، بل ربما نطق بالحق وهو لا يعرف حقيقة ما يقوله، فعلى من نصح نفسه من أئمة المسلمين أن يبذلوا الجهد في إقامة الدين، ويصرفوا الهمة إلى معرفة التوحيد بالصدق واليقين، وأن يحملوا الناس على ذلك ويجاهدوهم على ما هنالك، وأن يحبوا في ربهم ويبغضوا فيه، ويعادوا لأجله ويوالوا فيه.

وليحذروا من أمور ثلاثة توجب الذم والإثم والعقوبة:

الأول: ترك الحق بعد ظهوره وتبيُّنِه.

الثاني: التقصير في طلبه ليتبين له.

الثالث: الإعراض عن طلب معرفته لهوى أو كسلا أو نحو ذلك.

وهذه الثلاثة الأشياء هي الآفة العظمى، ومن أجلها يضيع الدين. وقد انقسم الناس في هذا الزمان إلى هذه الأقسام، وكل قسم منهم معجب بنفسه ويظن أنه في رتبة الكمال من العلم والدين. وهذا من خدع الشيطان وغروره فلا حول ولا قوة إلا بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت