فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 294

وقد قال الله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) .

فتأمل هذه الآية وما فيها من الامتنان والترغيب في اتباع ما جعله الله عليه مما شرعه له، وما فيها من التحذير والإنذار، فما أعظم خطر هذا، وما أحوج العبد إلى ذلك خصوصًا إن نظر العبد بعين البصيرة إلى ما انتحله أكثر الناس من الشرك بالله في عبادته، وما أجروا عليه من أنواع الظلم والفساد، فما أكثر المغرورين بالجهل والأهواء وطاعة النفس والشيطان، وقد حدثت هذه الأمور في هذه الأمة في زمن من سلف من الأئمة وبينوا ذلك وأنكروا وحذروا وأنذروا، رحمة الله عليهم، كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى وعفا عنه:

ولقد رأينا من فريق يدعي ... / ... الإسلام شركا ظاهر التبيان

جعلوا له شركاء وألّهوهم ... / ... وساووهم به في الحب لا السلطان

والله ما ساووهم بالله بل ... / ... زادوا لهم حبا بلا كتمان

وكل من تدبر القرآن وفهم أدلة التوحيد وعرف حقيقة الشرك الذي بعث الله الرسل بإزالته والنهي عنه، وألهمه الله رشده، علم يقينا أنه هو الذي عليه أكثر الجهال من هذه الأمة، حيث جعلوا أرباب القبور من الأموات محطا لرحالهم في طلب الحاجات وتفريج الكربات، وتألفهم قلوبهم بالخشية والإجلال والتعظيم، والالتجاء إليهم والتوكل عليهم، وغير ذلك من العبادة التي لا تصلح إلا لفاطر الأرض والسماوات، كما قال تعالى: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) .

ثم بين ضد ذلك وهو ما عليه أهل الإشراك فقال: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) إلى قوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) .

فأقام الحجة على هذه الأمة، وبين دينه الذي رضيه لنفسه ورضيه لعباده، وبين الدين الذي انتحله المشركون وأخبر عن ضلالهم وسوء مآلهم وأبان أنهم ما أرادوا مما عبدوا إلا القربة والشفاعة، وبين أنواع العبادة التي صرفها المشركون لآلهتهم وأخبر أن ذلك لا ينبغي إلا للواحد القهار، فأقام الحجة على عباده وقطع بهذا البيان كل حجة واعتذار، وأعذر إليهم على لسان البشير النذير صلى الله عليه وسلم: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى) قال الله تعالى: (الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) إلى قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ) إلى قوله: (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ) .

وقال تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) .

وقال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت