فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 294

وقد بلى الله أخبار الناس بما جرى في هذه الأعوام، وميز بها من قاتل أهل الإسلام وسبهم ممن والاهم وأحبهم، والله يعلم أنا لم نرد بهذا تشيين أحد أو عداوته، ولكنا تأثيما من كتمان العلم، ورغبنا في إرشاد العباد إلى طاعة ربهم ومعبودهم لما ابتلينا بأناس من أهل نجد يقولون على الله بلا علم، ويتكلمون في أشياء من غير دراية ولا فهم، فكان الواجب على من منحه الله علما أن ينشر منه ما تيسر وقت الاحتياج إليه، وخصوصًا في هذه الأزمنة لما قل العلم وكثر الجهل وغلبت الأهواء واشتغل الناس فيه بمحبة دنياهم وإيثارها على طاعة مولاهم والعمل لأخراهم، والله تعالى هو المرجو المسؤول أن يرفع عنا وعن المسلمين العقوبة، وأن يكتب لنا المثوبة بتحري رضاه، وأن يوفقنا للاستقامة على طاعته وتقواه، وأن يحقق لنا ولإخواننا ما طلبناه ورجوناه، إنه هو البر الرحيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

واعلم أن هذا الرجل وأمثاله لما امتلأت قلوبهم بالعداوة والبغضاء ظهرت على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم وأتوا بكل بلية ورمية كما تقدم، طمعوا فيما هو أعظم من ذلك، وأكبر ضررا مما هنالك، فأوردوا على الجهال شبهات تحسينا لما قد فعلوه وتزيينا لسبيلهم الذى سلكوه أسوة بمن مضى من أمثالهم.

قال العماد في التفسير: قال قتادة في قول الله تعالى: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) إذا والله لا يجدون في القرآن زاجرًا عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه، ولكنهم أخذوا بما تشابه فهلكوا عند ذلك.

والعارف إذا نظر إليها علم أنهم أقروا على أنفسهم وعلى الذين والوهم وزادوهم بما قد لا يصرح به غيرهم فيهم ابتداء.

فمن ذلك قول بعضهم إن الله تعالى يقول: (وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الآية. يشير إلى أنه معذور بإقامته مع هؤلاء كما عذر من أقام من المؤمنين بمكة مع المشركين.

فيقال له: أولا: إن هؤلاء الذين سماهم الله مؤمنين لم يظاهروا على المؤمنين مشركًا ولا منافقًا ولا باغيًا ولا ظالمًا، ولا سبُّوا مؤمنا ولا عادوه، ومنهم من قيّده أهله بمكة ومنعوه من الخروج كأبي جندل بن سهيل، فإنه خرج يوم الحديبية من مكة يَرْسُف في قيوده. فلو أن أحدًا منهم سب المسلمين أو غالبهم أو أعان عدوهم انتقض إسلامه بلا ريب، لكن الله تعالى حفظهم من هذه الأمور وعذرهم باستضعافهم وعجزهم.

ولهذا ثبت في الصحيح وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو لهم في الفريضة، كما أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، وربما قال إذا قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد:"اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين".

قوله:"والمستضعفين من المؤمنين"هو من عطف العام على الخاص بلا ريب، ومن المحال أن يسميهم الله ورسوله مؤمنين وقد وقع منهم ما ينافي الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت