فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 294

قال الله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) فعُلِم من هذه الآية أن أولئك المستضعفين من المؤمنين لما كانوا بمكة مع قريش أنهم لم يتخذوهم أولياء من دون المؤمنين، ولم يطمعوا منهم بموادة ولا ركون وحاشاهم من ذلك، كما قال تعالى: (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) .

فلهذا وصفهم الله بالإيمان، وقد أخبر تعالى عن أن الإيمان ينتفي بموالاة أعدائه، كما قال تعالى: (وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) .

قال بعض المفسرين في الآية الأولى: الممتنع أن تجد قوما من المؤمنين يوادون من حاد الله ورسوله، وقد تقدم ذلك في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

ويقال أيضا: إن الله تعالى بيّن حال الذين عذرهم عن الهجرة وميزهم بالوصف ممن لم يعذرهم، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) .

قال في شرح البخاري: والسؤال للتوبيخ، أي لم تركتم الجهاد والهجرة والنصرة؟ قالوا: (كُنَّا) .... (قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) .

وروى البخاري في صحيحه عن عبدالرحمن بن الأسود قال: قطع علي أهل المدينة بعث فاكتتبت فيه، فلقيني عكرمة فأخبرته فنهاني أشد النهي وقال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يأتي السهم فيصيب أحدهم فيقتله أو يضربه فيقتله، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا) الآية.

فتأمل كيف ترتَّبَ عليهم هذا الوعيد وأوجب لهم النار، وقد روي أنهم مكرهون على تكثير سواد المشركين فقط، فكيف بمن كثر سوادهم بغير إكراه وإيمان، وظاهَرَ وقال وفعل من غير استضعاف؟ أترى بقي مع هذا شيء من الإيمان والحالة هذه؟ ثم إن الله تعالى بين في هذه الآية من خرج من هذا الوعيد بأوصاف لا تخفى على البليد، فقال: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) .

فذكر أنهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا وهم العاجزون عن الهجرة من كل وجه، وهؤلاء هم الذين دعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة المتقدم، بخلاف من لم يعجز عن الهجرة بل اختارهم ورغب فيهم وسكن إليهم ووافقهم وتأيد بهم واستنصر، مثل عبد الله بن أبي سرح ومقيس بن صبابة الليثي وأمثالهما، ممن تزين له الباطل كجبلة بن الأيهم الغساني، وأمثال هؤلاء كثيرون، نسأل الله الثبات على الإسلام والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت