فهرس الكتاب
الأمر الثاني: استدلالهم على جواز الإقامة مع المشركين وتركهم الهجرة، بأن الصحابة هاجروا إلى الحبشة وفيها نصارى. فيقال أولا لا يجوز عند أدنى من له معرفة أن يستدل على ترك الهجرة بأن الصحابة هاجروا، وكيف يجوز في عقل من له أدنى مسكة من عقل أن يستدل لترك شيء بأن ذلك الشيء الذي ترك قد فعله غيره، وقد عرفت أن الله توعد من ترك الهجرة بالوعيد الشديد وبرئ منه ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأثنى على من هاجر ووعدهم على الهجرة بخير الدنيا والآخرة كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) .
وقال: (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) .
وأي جهل أعظم من جهل من يسوي بين حسنات المقربين والأبرار، وسيئات العصاة الأشرار! (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ) .
وأيضا فإن الصحابة رضي الله عنهم هاجروا إلى الحبشة لما لم يجدوا إذ ذاك دار إسلام، ففعلوا ما أمكنهم فعله من طاعة الله وتقواه، وأهل الحبشة وإن كانوا نصارى فهم أقرب مودَّة للذين آمنوا من اليهود والذين أشركوا، ثم إنه حصل بتلك الهجرة من سلامة دينهم وظهوره والدعوة إلى الله وإسلام النجاشي وبعض أساقفته وإكرامهم إياهم، وغيظ عدوهم من المشركين ومراغمتهم ما هو من مقاصد الدين، فتأمل، وهذا سياق قصة مهاجرة الحبشة.
قال أبو نعيم منتقاه من سيرة ابن هشام: قال ابن إسحاق: حدثنا محمد بن مسلم الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن الحارث بن هشام، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما نزلنا أرض الحبشه جاورنا بها خير جار، النجاشي آمنَّا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشًا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهبوا للنجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأُدْم، فجمعوا له أُدْما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هدية قبل أن تكلما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه ثم اسألاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم.