فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 294

قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار، عند خير جار. إلى أن قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، وقال له: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي الضعيف، وكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ـ قالت فعدد عليه أمور الاسلام ـ فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا وعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظْلَم عندك أيها الملك.

قالت:

-فقال له النجاشى: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟

فقال جعفر: نعم.

فقال له النجاشي: اقرأ علىَّ ..

فقرأ عليه صدر آية (كهيعص) .

قالت:

-فبكى النجاشى حنى اخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم.

ثم قال النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما أبدًا ولا أكاد ...

ثم ساقت القصة.

قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة قالت: لما مات النجاشي كان يُتحدث أنه لا يزال على قبره نور. انتهى.

وذكر ابن إسحاق في قوله عز وجل: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ) إلى قوله: (وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) الآية.

وقد سألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت، فقال: ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه، والآيات في سورة المائدة: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ) إلى قوله: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) .

قال ابن إسحاق: وكان جميع من لحق بأرض الحبشة وولد بها ثلاثة وثمانين رجلا، فعبدوا الله وحمدوا جوار النجاشي، فقال عبد الله بن الحارث بن قيس السهمي:

يا راكبا بلغا عني مغلغلة ... / ... من كان يرجو بلاغ الله والدين

إنا وجدنا بلاد الله واسعة ... / ... تنجي من الذل والمخزاء والهون

فلا تقيموا على ذل الحياة وخز ... / ... ي في الممات وعبد غير مأمون

إنا تبعنا نبي الله واطّرحوا ... / ... قول النبي وغالوا في الموازين

فاجعل عذابك في القوم الذين غلوا ... / ... وعائذا إن يعلوا فيضعون

قال السهيلي رحمه الله: وفي هذا من الفقه الخروج من الوطن وإن كان الوطن مكة على فضلها، إذا كان الخروج فرارا بالدين. فإن الحبشة كانوا نصارى وسمي الصحابة بهذه الهجرة مهاجرين، وهم أصحاب الهجرتين الذين أثنى الله عليهم بالسبق فقال: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ) .

وجاء في التفسير أنهم الذين صلوا القبلتين وهاجروا الهجرتين، فانظر كيف أثنى الله عليهم بهذه الهجرة لما كان فعلهم ذلك احتياطا على دينهم، وأن يخلى بينهم وبين عبادة ربهم آمنين مطمئنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت