فهرس الكتاب
وهذا حكم مستمر، متى غلب المشركون على بلد وأوذي على الحق مؤمن، ورأى الباطل ظاهرًا قاهرًا للحق، ورجا أن يكون في بلد آخر، أي بلد كان يبين فيه دينه، ويظهر فيه عبادة ربه، فإن الخروج على هذا الوجه حتم على المؤمن وهذه الهجرة لا تنقطع إلى يوم القيامة. انتهى ملخصا.
وكل من له أدنى معرفة ألا يفهم من هذه القصة إلا أنها حجة عظيمة على من ترك الهجرة الواجبة من وجوه لا تخفى على البليد، اللهم إلا من ابتلي بسوء الفهم وفساد التصور وكابر العقل والشرع فلا حيلة فيه، يا ربنا نسألك الثبات على الإسلام.
وأورد أيضًا حديث:"أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين".
لمقامه فيهم، والحجة منه أنه سماه مسلما، فيفيد أن إقامته بين أظهر المشركين لا تخرجه عن الإسلام، فالجواب أن براءة النبي صلى الله عليه وسلم ممن جلس بين ظهرانيهم إنما كان عقوبة له على مجرد الإقامة بين أظهرهم، وأما إيواؤهم ونقض العهد لهم، ومظاهرتهم ومعاونتهم والاستبشار بنصرهم، وموالاة وليهم ومعاداة عدوهم من أهل الإسلام، فكل هذه الأمور زائدة على الإقامة بين أظهرهم، وكل عمل من هذه الأعمال قد توعد الله عليه بالعذاب والخلود فيه، وسلب الإيمان وحلول السخط به، وغير ذلك مما هو مضمون الآيات المحكمات التي تقدمت.
وكل ذنب من هذه الذنوب له عقوبة تخصه، وكل ما ازداد منه زاد الله له في العقوبة، فإن من لم يؤمن بتلك الآيات المحكمات ويعتدي بصدور تلك الأعمال منه، فما أشبه حاله بحال من قال الله فيهم: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) .
واعلم أن هؤلاء المشركين لم يرضوا من هذا وأمثاله بمجرد الموالاة والنصرة، دون عبادتهم وتسويتهم لهم بالله في التعظيم والإجلال والتودد إليهم، فمن ذلك الانحناء لهم، والإشارة باليد إلى أشرف أعضاء السجود وهو الجبهه والأنف، وكل ذلك من خصائص الإلهية وذلك أمر لا محيد لهم عنه، كما قال تعالى عن أهل الكهف: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) ولهذا لم يجدوا من مفارقتهم بدا حتى ذهبوا إلى غار في رأس جبل خوفا من ذهاب دينهم، فآثروا الله على كل ما سواه.
قال شيخنا في هذه القصة: فيه اعتزال أهل الشرك واعتزال معبوداتهم وقوله: (فَاوُوا إِلَى الْكَهْفِ) فيه شدة صلابتهم في دينهم حيث عزموا على ترك الرياسة الكبرى والنعمة العظيمة واستبدلوا بها كهفا في رأس جبل.
قلت: ومثل ذلك ما ذكره الله عن سحرة فرعون لما استنارت قلوبهم بالإيمان قالوا لفرعون لعنه الله: (لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) .