فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 294

واعلم أن حقيقة حال هؤلاء المشبهة أن الله تعالى أمرهم بقتال المشركين فقاتلوا معهم، وأمرهم بالبعد عنهم فآووهم وقربوا منهم، وأمرهم بمعاداتهم فوالوهم، وأمرهم ببغضهم فوادُّوهم، وأمرهم بأن ينصروا أهل الإسلام فنصروا الكفرة عليهم، ونهوا عن مداهنتهم فداهنوهم، ونهاهم عن كتمان ما أنزل الله في هذا وغيره فكتموا وشبهوا كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .

وقال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ) .

وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى) الآية.

فجمعوا بين الكتمان والرد على من بيّن ولم يكتم والتشبيه والمجادلة بالباطل، فتركوا ما أوجبه الله عليهم وارتكبوا ما حرم عليهم، وهذا ظاهر جدا لا يرتاب فيه من له أدنى معرفة بالناس وما وقع منهم فلا يأمنهم ويقربهم بعد هذه العظائم إلا من سفه نفسه.

ولهم شبهة أخرى، وهى أن أبا بكر استأجر عبدالله بن أريقط في طريق الهجرة إلى المدينة وكان هاديا خريتا يدلهم على الطريق، فأحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبته. فتكون صحبته للعسكر، وإعانتهم على المسلمين ونصرتهم لا بأس بها.

فيقال أولا قد ذكرت في الشبهة التي قبل هذه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين"وهذا يناقض ما استدللت به هنا، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من صاحب عمل وهو يفعله، ومثل هذا قوله:"من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله"والآيات المحكمات صريحة في التحذير من موالاتهم ناطقة بالوعيد الشديد على موادتهم ونصرتهم.

إذا عُرفَ هذا فالفرق بين الدليل والمدعي أبعد مما بين المشرق والمغرب، وذلك أن ابن أريقط أعان رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبر البر بعد الإسلام، وأفرض الفرائض بعد الإيمان، وسعى لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مصالحه التي يتوصل بها إلى رضا مولاه، ومراغمة أعداه، ولا ريب أن هذا لو صدر من ابن أريقط بنية كان من أفضل الأعمال، فإذا أسلم كتب له ذلك من أفضل حسناته على حديث حكيم:"أسلمت على ما أسلفت من خير"يخالف من أوى المشركين ورضي بهم بدلا من المسلمين وأعانهم واستنصر لهم، وفرح بنصرهم وظهورهم ودعا الناس إلى متابعتهم. فالفرق بين الفعلين كالفرق بين فعل أبي طالب من النصرة والحياطة والحماية، وفعل أبي جهل وأمثاله أعظم الكفر الموصل إلى الدركات في العذاب، وحلول المثلات. فأين من أعان الباطل وواد أهله ونصرهم وظاهرهم، ممن أعان المسلمين وسعى في مصالحهم وراغم عدوهم؟

سارت مُشَرِّقَة وسِرْتُ مُغَرِّبا ... شتان بين مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت