فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 294

فابن أريقط فعل كما فعل سراقة بن مالك، فقد فعل من النصيحة في حال كفره ما يحمد به باطنًا وظاهرًا، بخلاف من والى المشركين ونصح لهم، فإنه قد وقع في الوعيد والسخط والمقت وفساد الدين ومفارقة المؤمنين، والله أعلم بما يؤول إليه حال أعيان أولئك، لكنه يخشى عليهم أن يصيبهم مثل ما قص الله في شأن بلعام وأهل مسجد الضرار فقد كانوا قبل ذلك في عداد الأنصار، فيا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على الإيمان، ولا ريب أن عدول هذا المستدل عن الآيات المحكمات وصحيح الأخبار، ترك للمحكم واتباع للمتشابه كما قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ) الآية.

عن عائشة رضى الله عنها مرفوعا:"إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم".

وحاصل ما قدمنا من الجواب عما أورده المشبه هنا يتضمن خمسة أوجه:

الأول: أن ابن أريقط أجير. ومن شأن الأجير أن يخدم المستأجر؛ لأنه ملك منافعه بعقد الإجارة، والأجير تحت المستأجر.

الوجه الثاني: أن ذلك الرجل مستأجر في مصلحة دينية هى من أكبر مصالح الدين، فإعانته المسلم وقت الحاجة إليه لا محذور فيها لكونها مصلحة محض، فكيف يجوز أن يستدل بذلك على ما هو أعظم المفاسد في الدين من موالاة المشركين وإعانتهم على باطلهم والصد عن سبيل الله؟

شتان بين الحالتين فإن ترد ... جمعا فما الضدان يجتمعان

الوجه الثالث: أن استئجار الكافر للمصلحه نظير استرقاق الكافر، وذلك جائز بخلاف العكس فإنه لا يجوز لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه. وهذا المشبه كأمثاله صاروا لأهل الباطل كالمماليك في طاعتهم ومتابعتهم وإعانتهم اختيارا منهم لا اضطرارا.

الوجه الرابع: أن ما فعله ابن أريقط لا يعاب عليه عقلا وشرعا، بل قد يثاب عليه في حال كفره بالدين إن لم يكن أسلم، ولعله والله أعلم صار سببا لإسلامه لقربه من الإسلام بإعانته أهله على طاعة ربهم، فإنه يتروح لذلك بقول الجن في شعرهم:

هما نزلاها بالهدى فاهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد

وهذا بخلاف من أعان على معصية الله والصد عن سبيله، فأين من كان مع أهل الحق ممن كان مع عدوهم؟ وهل سمعت بتفاوت أعظم من هذا التفاوت؟

والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان

الوجه الخامس: أن ما فعله ابن أريقط يغيظ كفار قريش وإغاظة الكفار يحبها الله، بخلاف من يفعل معهم ما يسرهم ويغيظ عدوهم من المؤمنين، فأين هذه من هذا لو كانوا يعلمون؟ والبصير يعلم أن هذا التشبيه من هؤلاء على العوام، صد لهم عن سبيل الله، وأنه من آثار عقوبات تلك الأعمال.

اللهم إنا نعوذ بك أن نفتن عن ديننا أو نرد على أعقابنا، وحسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا. وهذا آخر ما تيسر جمعه، والله أسأل أن يعم نفعه.

أملاه الفقير إلى الله عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أجزل الله لهم الثواب.

وكتبه الفقير إلى الله تعالى حمد بن عتيق.

تمت كتابته يوم الخميس أول يوم من جمادى الأولى سنة واحد وستين ومائتين وألف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت